جولة في "مدائن صالح" بالمملكة العربية السعودية

لعبت مدائن صالح دورا محوريا في ازدهار امبراطورية الأنباط
رغم أن مدائن صالح لم تحظ بما حظيت به مدينة البتراء في الأردن من شهرة، فإن هذه المدينة السعودية، التي كانت ثاني أكبر مدن الأنباط، لعبت دورا محوريا في ازدهار امبراطورية الأنباط التي لا يزال يكتنفها الغموض.
كما هو معتاد، تُستهل الرحلة على متن الخطوط الجوية السعودية المتجهة من الرياض إلى المدينة المنورة بتلاوة الأذكار.
وقال المضيف الجوي عبر نظام الاتصال الداخلي: "السيدات والسادة، ستستمعون الآن إلى دعاء السفر المأثور عن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم".
وكان بقية الكلام باللغة العربية. واستمعت إلى الصوت المسجل الخفيض والهادئ، وأنا أرقب من النافذة الصغيرة الصحراء مترامية الأطراف. وكنت مسافرة برفقة أصدقائي لزيارة مدائن صالح، تلك المدينة الصحراوية المتوارية عن الأنظار بالمملكة العربية السعودية.
ورغم الشهرة التي تحظى بها مدينة البتراء، عاصمة مملكة الأنباط قديما في الأردن، فإن مدائن صالح ثاني أكبر مدن الأنباط، والتي أدرجت في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، لا يزال يجهلها الكثيرون.
كانت مدائن صالح، التي تسمى أيضا الحِجر، مدينة مزدهرة قديما بسبب موقعها على طريق تجاري هام آنذاك يربط بين آسيا وأوروبا، وكان يسمى طريق التوابل. ولعبت مدائن صالح دورا محوريا في بناء إمبراطورية تجارية.

كانت مدائن صالح مدينة مزدهرة على أحد الطرق التجارية الهامة القديمةمصدر الصورةMARJORY WOODFIELD
Image captionكانت مدائن صالح مدينة مزدهرة على أحد الطرق التجارية الهامة القديمة

واليوم، تُعد هذه المقابر الضخمة المنحوتة في الصخور من آخر الآثار المتبقية للمملكة المفقودة، ولا تزال في حالة جيدة.

واستغرقت الرحلة بالسيارة من المدينة المنورة إلى مدينة العلا، التي تقع في وادي القرى، أربع ساعات. ثم اجتزنا طرقا ليست طويلة حتى وصلنا إلى الفندق في منطقة الحجاز، على بعد 1.043 كيلومترا شمال غرب الرياض.
وفي صبيحة اليوم التالي، تناولنا الإفطار، وقابلنا مرشدنا أحمد، وكان طويل القامة، وذا لحية خفيفة، يرتدي الثوب التقليدي والغترة الحمراء. وقال لنا مبتسما إنه تعلم اللغة الإنجليزية في نيوزيلندا.
في الطريق إلى مدائن صالح، التي تبعد 40 كيلومترا شمالا عن الفندق، حكى لنا أحمد عن الأنباط، الذين استمدوا ثراءهم ورخاءهم من قدرتهم على استخراج المياه وتخزينها في الصحراء القاحلة.
كما سيطر الأنباط على طرق التجارة في الصحراء، من مدائن صالح في الجنوب الغربي إلى ميناء غزة شمالا على البحر الأبيض المتوسط، وفرضوا ضرائب على القوافل التجارية المحملة بالبخور، والكندر (اللُبان الشحري)، ونبات المرّ، والتوابل، التي كانت تتوقف عند مراكز الحراسة بالمدينة للاستراحة والتزود الماء.

مدائن صالح كانت ثاني أكبر مدن مملكة الأنباط بعد البتراءمصدر الصورةMARJORY WOODFIELD
Image captionمدائن صالح كانت ثاني أكبر مدن مملكة الأنباط بعد البتراء

وفي عام 106، ضم الرومان مملكة الأنباط إلى أراضيهم، وتحولت قوافل التجار إلى طريق البحر الأحمر بدلا من الطرق البرية. ولم تعد المدن النبطية مراكزا للتجارة، ومن ثم تداعت المملكة النبطية وهجرها سكانها.
واليوم، أصبحت هذه المدينة، التي حُفظت في جوف الصحراء بمعزل عن الناس، خاوية وهادئة ومصانة بشكل مدهش. لكن أغلب المدينة لا يزال مغطى بطبقات من الرمال.
وحتى الآن، اكتُشف من المدينة منطقة مدافن شاسعة تضم ما يربو على 131 مدفنا ضخما. وللوهلة الأولى، دُهشنا من حجم المدافن وأعدادها. وعندما دنونا منها، تكشفت براعة الفن النبطي في منحوتات النسور التي تقف بشموخ، والحيوانات ذات الرؤوس الآدمية، مثل "سفنكس"، والغريفين المغطى بالريش، ناهيك عن النقوش الدقيقة.
ووقفنا أمام إحدى المدافن، التي تفيد ترجمة النقوش النبطية عليها أنها مملوكة لشخص يدعى 'هاني بن تانسي وذريته'، وذيلت بتاريخ واسم: 'أبريل/نيسان 31 ميلاديا، نحتها حور، النحات'

تكشف نقوش المدافن في مدائن صالح عن مظاهر الحياة في الحضارة النبطيةمصدر الصورةMARJORY WOODFIELD
Image captionتكشف نقوش المدافن في مدائن صالح عن مظاهر الحياة في الحضارة النبطية

وتكشف نقوش المقابر عن أسماء الناس الذين عاشوا في هذا الوقت وعلاقتهم ببعضهم، ومهنهم، وقوانينهم، والآلهة التي كانوا يعبدونها. ولأن الأنباط لم يتركوا تاريخا مدونا عن جوانب حياتهم، فإن النصوص التي تنفرد بها مدائن صالح تحظى بأهمية استثنائية.
وشرح لنا أحمد أن هذه النقوش كُتبت باللغة الأرامية، إحدى اللغات السامية القديمة، والتي كانت اللغة المشتركة للتعامل بين الناس في الشرق الأوسط في هذا الوقت.
ولكي يتواصل التجار الذين يتحدثون لغات مختلفة، كان لزاما عليهم أن يتعلموا اللغة الأرامية. كما أن الأنباط استخدموا أحد أشكال اللغة العربية البدائية، ولفت أحمد نظرنا إلى آثار النقوش المكتوبة بهذا الشكل من اللغة العربية.
ويفوق "قصر الفريد" سائر المدافن بهاء وروعة، لا سيما من حيث حجمه؛ لأن واجهته أبسط من غيره. ويعلو الباب الرئيسي للمدفن عارضة مثلثة مزخرفة، وكانت الجثامين توضع في طبقات محفورة في الجدران من الداخل.
ومن قصر الفريد، يبدو مشهد الصخور المنحوتة وسط الصحراء أخاذا، ويأسر الألباب. وعلى الرمال المسطحة، تعلو صخور الحجر الرملي الذهبية التي نحتتها ببراعة الرياح والأمطار على مدى قرون طويلة، لتصنع منها أشكالا مخروطية وهرمية ملتوية.
كان المكان ساكنا يسوده صمت مطبق، وبالنظر من داخل المقبرة، وجدنا أنه لم يعكر صفو المكان إلا ما خلفته أقدامنا، وعجلات السيارة، من آثار.

لن يأتي الكثير من المسلمين إلى مدائن صالح لأنهم يعتقدون أنها مدينة ملعونةمصدر الصورةMARJORY WOODFIELD
Image captionلا يأتي الكثير من المسلمين إلى مدائن صالح لأنهم يعتقدون أنها مدينة ملعونة

على عكس البتراء، التي يطوف في أرجائها السواح، وبائعو الهدايا، وأصحاب الحمير، لم يكن ثمة أناس من حولنا في مدائن صالح. إذ أن المسلمين لن يقربوا هذا المكان لأنهم يعتقدون أن الأنباط أُهلكلوا بعد رفضهم التخلي عن آلهتهم والإيمان بالله وحده، فضلا عن أنه لا يخفى على أحد صعوبة حصول غير المسلمين على تأشيرات سياحية لدخول المملكة العربية السعودية.
إلا أن خلو المكان من المشاة، بالإضافة إلى طقس المملكة العربية السعودية الصحراوي الجاف، قد ساهما في الحفاظ على سلامة مدائن صالح. وفي الوقت الذي تتآكل فيه واجهات البتراء ببطء، فإن هذه المدافن لا تزال في حالة جيدة إلى حد مذهل.
وسُمح لنا بالتجول في جنبات المدافن كما يحلو لنا، وأمعّنا النظر في تفاصيلها من الداخل والخارج، ولمسنا الحجر البارد العتيق، وفقدنا الإحساس بالزمن.
وبعد بضع ساعات عدنا إلى السيارة وتوجهنا صوب "جبل اثلب" في الجهة الشمالية الشرقية من منطقة الحِجر، وهو عبارة عن كتلة صخرية ضخمة، يُعتقد أن الأنباط اتخذوه مركزا دينيا لعبادة إله الجبال لديهم، والذي كان يعرف باسم " ذو الشرى".
وعلى "جدران السيق"، وهو طريق طبيعي ضيق طوله 40 مترا بين الصخور الشاهقة، يؤدي إلى جبل اثلب، حُفرت محاريب مزخرفة للنذور التي كان الأنباط يتقربون بها للآلهة، ونُقشت صور لجِمال وتُجار.
وأشار أحمد إلى مجموعة من القنوات التي كانت يوما ما توجه المياه إلى خزانات، ما يدل على قدرة الأنباط على الاستفادة من مياه الأمطار والمياه الجوفية.

لا تزال مقابر مدائن صالح مصانة في حالة مدهشةمصدر الصورةMARJORY WOODFIELD
Image captionلا تزال مقابر مدائن صالح مصانة في حالة مدهشة

واتجهنا إلى المنحدر الجنوبي الشرقي من "جبل اثلب" لنتسلق الجبل. وواجهت صعوبة في تسلق الجبل بالعباءة السوداء الطويلة التي أُجبرت على ارتدائها، لكنني وجدت أن الصعود إلى القمة كان يستحق ما تكبدته من مشقة وإحراج، من كثرة التعثر أثناء التسلق.
وجهنا أنظارنا غربا صوب وادٍ فسيح، وتخيلت قوافل التجار والجمال تدنو من مدائن صالح وهي محملة بالكندر (أو اللُبان المر)، الذي يستخرج من شجر الكندر، وتتميز بندرتها وغلاء ثمنها. ولعل هذه القافلة المتخيلة كانت ستتجه بهذه البضائع النفيسة إلى الشعوب الأكثر ثراء كالرومان والإغريق، والفراعنة، وبني إسرائيل.
وحين آذنت الشمس بالمغيب، عدنا أدراجنا إلى مشارف المدينة القديمة، وتوقفنا عند مجموعة من المقابر، حيث فرشنا بُسطا صغيرة ذات رسومات وألوان زاهية على الرمال، واحتسينا القهوة العربية، وتقاسمنا كعك "المعمول" السعودي التقليدي، المحشو بالتمر.
ومن أمامنا، أضفت حمرة الشمس على المقابر المحفورة في الحجر الرملي بمدائن صالح لونا ذهبيا. وخيم الصمت والسكون على المكان، وأرخى الليل سدوله برفق على الصحراء.

بي بي سي العربية