عنصر الجذب لدى داعش


Photo


(رويترز) - (كاتب هذا المقال هو آري دبليو. كروجلانسكي الباحث البارز في المركز القومي لدراسة الإرهاب والرد على الإرهاب (ستارت) والآراء الواردة فيه تعبر عن آرائه الخاصة)

من السهل أن نرى في الدين تفسيرا لاتجاه شبان -وبعض النساء- إلى التطرف. لكن الجانب النفسي لا الديني هو الذي يوفر أفضل الأدوات لفهم التطرف وأفضل سبل الخلاص منه.

يكمن عنصر الجذب لدى الدولة الإسلامية في سعي الأفراد لما يطلق عليه علماء النفس "الأهمية الشخصية" التي تستغلها الآلة الدعائية المتطرفة لدى الجماعة المتشددة بمهارة. ويتمثل السعي للأهمية في رغبة المرء في اجتذاب الاهتمام والاحترام وفي التميز أمام نفسه وأمام الآخرين.

وقد يفقد المرء الشعور بالأهمية لعدة أسباب مثل الإخفاقات الشخصية أو لوصمة تلازمه لمخالفة أعراف المجتمع. نتذكر هذا عندما نفحص خلفيات الانتحاريات في إسرائيل. فأول انتحارية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني طلقها زوجها بعد أن اكتشف أنها عاقر. وهناك أخرى كانت تعتزم القيام بمهمة تفجير وكانت مشوهة بسبب حروق يعتقد أنها بفعل أسرتها بسبب دخولها في علاقة. عانت المرأتان من وصمة شخصية وأقدمتا على التطوع لتنفيذ مهام انتحارية تستهدف الإسرائيليين.

وفقدان الأهمية قد يكون مرده أيضا الأحوال الاقتصادية الميئوس منها. وقد ينبع من شعور بانحطاط القدر والتمييز وهو شعور ليس بنادر بين كثير من المهاجرين. كما قد ينجم عن شعور بإذلال أخوة في الدين وامتهانهم حول العالم.

المتطرفون العقائديون من أمثال أولئك الذين يقودون الدولة الإسلامية يتعمدون توظيف المصاعب وحالات الإيذاء الجماعي التي يتعرض لها المسلمون في أنحاء العالم لحشد وتجنيد أفراد يمكن أن يصبحوا جهاديين.
في مقابلة جرت مع سي.إن.إن عام 1997 قال أسامة بن لادن بأسى "اسم أمريكا يذكرني قبل كل شيء بالأولاد والأطفال الأبرياء الذين قتلوا وبترت رؤوسهم وأطرافهم...". وعبر قيادي بارز آخر في القاعدة هو يحيى الليبي جام عن غضبه وسخطه قائلا "إن الجهاد في الجزائر اليوم هو أملكم بإذن الله تعالى في الخلاص من جحيم الأنظمة الحاكمة الظالمة التي غصت سجونها بشبابكم وأبنائكم بل وبنسائكم."


واللعب على وتر الهوية المنسحقة إضافة إلى تصوير امتهان مجموعة ينتمي إليها المرء يمكن أن يحدثا أثرا نفسيا عميقا يثير ويعيد توجيه أناس كانوا سيصبحون لولا ذلك متكيفين مع الأوضاع سائرين في دربهم نحو مستقبل شخصي يبدو براقا.

ووفقا للتقارير.. تلقى ناصر المثنى -وهو متطوع في الدولة الإسلامية عمره 20 عاما- أوراق قبول من أربع كليات للطب. وكان محمد حميد الرحمن الذي قتل في أغسطس آب أثناء القتال في سوريا يعمل في أحد متاجر برايمارك في مدينة بورتسماوث الساحلية بالمملكة المتحدة وكان أبوه يملك مطعما. إذن فقد بدا مستقبله الشخصي مضمونا ومع هذا فإن ذلك لم يمح الألم والإذلال الذي رأى أن مجتمعه الإسلامي يتعرض لهما.

الفكر المتطرف فعال في مثل هذه الأحوال لأنه يوفر علاجا سريعا للإحساس بفقدان الأهمية وطريقا مضمونا لاستعادته. كما أنه يحقق هذا باستغلال غرائز البشر المتأصلة للعدوان والجنس.

فلننظر إلى تلك النزعة الأخيرة.. الجنس هو أكثر نزعة فطرية تؤكد على أهمية الفرد. فهو سبيل لتخليد اسم المرء وجيناته في المستقبل. وتستخدمه الدولة الإسلامية استراتيجيا كمكافأة للعدوان.

فقد أقامت الجماعة المتشددة مراكز للزواج تسجل فيها النساء أسماءهن لتزويجهن من مقاتلي الجماعة. أما النساء والفتيات العراقيات السبايا فيرغمن على ممارسة الجنس في بيوت تديرها جهاديات. فاغتصاب غير المؤمنات يعتبر مشروعا بينما تشجع فتاوى "جهاد النكاح" الوحشية مع المرأة. وأخيرا.. فإن نيل الشهادة يعقبه التمتع بنعيم الحور العين في الجنة.

وفهم عنصر الجذب لتطرف الدولة الإسلامية ضرورة مسبقة لتطوير أسلوب مضاد مناسب من الناحية النفسية. على سبيل المثال يبدو الطرق على باب الاعتدال وحياة الصبر والمثابرة غير موات لكسب قلوب وعقول الجهاديين. بل إن بريق الجهاد يجب مواجهته ببريق بديل وسحر الشهادة لابد من التصدي له بسحر مختلف وإغواء الغرائز الفطرية يجب إعادة توجيهه وانتهاج أسلوب الجوجيتسو القتالي في مواجهة وحشية العدو وقلب الموائد النفسية على الدولة الإسلامية أينما كانت.

على سبيل المثال يمكن إقناع الشبان المعرضين لإغواء فكر التطرف بضرورة التصدي لما يمس دينهم وبأنه سيكون لهم مكان في التاريخ بهزيمة الشر والأفعال الشيطانية التي تلطخ عقيدتهم. وربما تحتاج وسائل التواصل الاجتماعي للتطرق كثيرا إلى عظمة الوقوف أمام الشر وتمجيد الشجاعة المطلوبة للمجازفة الشخصية في "كسر الحواجز". هذه الرسالة يجب ألا تأتي في عبارات واهنة وإنما بكلمات براقة وجريئة.

باختصار.. الكلام المحسوب ضد الدولة الإسلامية لن ينجز المهمة فمواجهتها تحتاج لكلمات نارية متقدة.