سلّموا في وجه.. الثورة

لا شك أنه موقف يبعث على الضحك الذي هو من شر البلية وأسوأ منها، بل هو مشهد من مشاهد الكوميديا السوداء كما يقولون!
أتحدث عن حكاية تجمع بين المأساة والسخرية المرة كما تصورها قصة استسلام الرئيس اليمني السابق سالم ربيع علي والمدافعين عنه يوم 26 يونيو 1978 - أي قبل 35 سنة- بعد تأكدهم من عدم قدرتهم على الاستمرار في مقاومة الجيش المحاصر لقصر الرئاسة. والقصة قرأتها عدة مرات خلال السنوات الأخيرة منسوبة لمحمد أبو نقطة قائد حرس سالمين أو ربما أحد قادته، وهي تتحدث عن اللحظة التي قرر فيها الرئيس السابق الاستسلام، وبعث بقائد حرسه للتفاهم مع قائد القوات المهاجمة؛ الذي كان معروفاً لديه - دون شك- إن لم يكونا رفيقي سلاح ونضال. وعندما خرج أبو نقطة معلناً للمهاجمين قرار استسلامهم قال له الباخشي قائد المهاجمين:

- سلّموا في وجه.. الثورة!

فرد عليه أبو نقطة وقد طفح كيله مما عاشه وشاهده خلال ساعات المعارك الدموية:

- عليك اللعنة أنت والثورة، وقدكم علينا بالمدافع من يوم أمس!

أعترف أنني أضحك غصباً عني كلما قرأت هذه اللعنة؛ ليس فقط لأن كثيرين كانوا يقولونها -سراً بطبيعة الحال- كل يوم؛ ولكن لأن الموقف لم يكن يستدعي هذه الحماسة الثورية من الباخشي، وتطمين المستسلمين بوجه الثورة؛ وخاصة أنهم قد أعلنوا الاستسلام بعد أن شاهدوا بأم أعينهم الثورة وقوات الثورة وهي تحاصرهم وتقصفهم: براً وبحراً وجواً دون رحمة وشفقة، ودون أي اعتبار في أن هؤلاء هم رفاق الثورة، ويقودهم أحد زعماء الثورة ذاتها!
لا أدري ما مصير الباخشي المذكور في القصة! وهل جاء يوم تكرر فيه ما حدث بجوار القصر المدوّر، وقيل له مثلاً: سلّم بوجه الثورة أو الحزب أو... إلخ مقدسات تلك الأيام فرد عليهم:

- الله يذكره بالخير أبو نقطة.. وأنتم الله يلعنكم ويلعن ...!


•••

يوم سقوط سالمين قتيلاً بأيدي رفاقه يمكن أن يعد بداية النهاية للنظام الماركسي في جنوب الوطن، أو أعلى نقطة في منحنى القوة التي وصل إليها، وبدأ بعدها مسار الانحدار حتى وصل قاعدته في 7 يوليو 1994. ولست مع الذين يريدون أن يقولوا إن تصفية سالمين بتلك الطريقة الدموية، ونهايته الغامضة (وحتى قبره غير معروف، والمؤكد أن أهله لم يروه أو يودعوه الوداع الأخير) كان هو مفتاح الباب لأنهار الدماء التي سالت بعد ذلك.. فالذي لا يمكن إنكاره أن تلك الطريقة في تصفية رفاق المسيرة لم تكن جديدة، ولم تبدأ بسالمين ولم تنته به. والمؤكد أن الرجل نفسه يتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية ما حدث في جنوب الوطن من يوم توليه المسؤولية بعد إقصاء الرئيس السابق قحطان الشعبي وفيصل الشعبي وأنصارهما في 22 يونيو 1969، وتم الانقلاب عليهم وتصفية جزء منهم (وهو ما عُرف بالخطوة التصحيحية) مع فارق سلمية هؤلاء وعدم رفعهم السلاح لمقاومة إزاحتهم من الحكم!


ولا يستطيع أحد أن ينكر أن ما تم خلال عهد سالمين من تصفيات للمعارضين داخل التنظيم الحاكم وخارجه كان -أيضاً- نسخة مما حدث له يوم مقتله وحتى يناير 1986 وللمهزومين المنتصرين فيه على حد سواء. ولا أحد يعلم؛ باستثناء عالم الغيب والشهادة؛ كم مرة تعالت صراخات بلا عدد مضمونها نفس مضمون صرخة "أبو نقطة" أي: عليكم اللعنة أنتم والثورة.. وطريق .. طريق!


قبل قتل الرئيس سالمين كان النظام الحاكم في عدن يتمتع بسمعة حديدية في صلابة وحدته الحزبية والقيادية، واستعصائه على الاختراق والانقسام، وإن كان لم يمنع ذلك أن تؤلف القريحة العدنية مجموعة من النكات عن مؤسسة "عبده سالم علي" (أي عبد الفتاح، وسالمين وعلي ناصر محمد) وعن عدم انسجامهم مع بعضهم، وكان الدليل على ذلك هو الصورة الرسمية التي تجمع الثلاثة، ويظهر كل واحد منهم وهو ينظر إلى جهة مختلفة عن زميليه! وحتى مع تسرب أخبار عن وجود خلافات داخل القيادة بشأن ما عُرف بعد ذلك أنها حول تفاصيل إعلان قيام الحزب الطليعي من طراز جديد؛ إلا أن أحداً من عامة الشعب من خارج إطار الحكم ما كان يتوقع أن يحدث ما حدث بمثل ما حدث و.. لسالمين بالذات! حتى جاء مقتل الرئيس السابق أحمد الغشمي، وإعلان صنعاء أن التفجير له علاقة بمبعوث جاء إليه من قبل سالمين، فتغيرت الأحوال رأساً على عقب، وعلم الناس أن هناك شيئاً ما على وشك الحدوث في حياة عدن والجنوب الرتيبة، فالاتهام خطير جداً، ويحرج النظام الذي لم تكن تنقصه تهمة الإرهاب أصلاً في المحيط الإقليمي والدولي، وانتظر الناس ما سيحدث؟ وماذا سيكون رد الفعل على هذه التهمة الموجهة لرئيس البلاد، فلما وقعت الواقعة كان ذلك إيذاناً بأن البناء الذي كان يبدو خارقاً عصياً قد دبّ إليه داء الأنظمة المشابهة التي يقال عن مثل حالها: من الخارج: الله.. الله، ومن الداخل: يعلم الله!


من قتل الغشمي؟

كانت عملية اغتيال أحمد الغشمي واتهام سالمين بها هي المبرر الذي اتخذه التحالف المعادي له لإزاحته عن السلطة؛ لكن حقيقة ما جرى في كواليس التنظيم الحاكم في عدن بالتفصيل لم تعرف بدقة حتى الآن، ولم يتطوع أحد من قادة الصف الأول يومها لرواية ما جرى، وماذا كان موقف فلان أو علان، وهو موقف يبدو مطرداً منذ إزاحة الرئيس الأول قحطان الشعبي ومقتل فيصل الشعبي في زنزانته، وصولاً إلى حادثة محاكمة سالمين، ثم إعدام محمد صالح مطيع بتهمة الخيانة. فباستثناء رواية ما حدث بالضبط في مذبحة المكتب السياسي في 13 يناير 1986 فلا توجد رواية مفصلة لشاهد عيان من قياديي تلك الفترة عما دار في اجتماع قيادة الجبهة القومية التي اتخذت قرار قبول استقالة قحطان الشعبي، ومعه قرار احتجازه أو سجنه باسم الإقامة الجبرية حتى وفاته. كذلك لا توجد أي رواية لشاهد عيان عن تفاصيل ما حدث في اجتماع اللجنة المركزية والمكتب السياسي بخصوص تحديد الموقف من سالمين وصولاً إلى محاصرته وقتله بمحاكمة حزبية أو بدون محاكمة كما يقال، وماذا حدث في الساعات الأخيرة قبل إعدامه مع زميليه القياديين البارزين يومها: جاعم صالح والأعور، ثم ما حدث من اعتقالات وفصل من التنظيم لأسماء شهيرة مثل الأستاذ علي صالح عباد مقبل، والأمر ينسحب أيضاً على ما حدث في أحداث أغسطس 1979 وأحداث إقصاء عبد الفتاح إسماعيل في إبريل 1980.. بل إن معرفة ما حدث في مذبحة المكتب السياسي إنما جاء بسبب أن الطرف المتضرر هو الذي انتصر في نهاية المعارك، وكان من مصلحته رواية ما حدث، ومن المؤكد أنه لو كان الطرف المنتصر هو جبهة علي ناصر لما عرف الناس تفاصيل ما حدث، ولصارت الرواية الرسمية الأولى عن المؤامرة وإعدام القادة الأربعة هي المعتمدة تاريخياً فقط دون أي تفاصيل أخرى!

القيادي الاشتراكي الوحيد الذي أعلم له ذكريات هو الأستاذ جار الله عمر في شهادته التي سجلها الزميل صادق ناشر ونشرت بعد حادثة اغتياله الشهيرة، ومع ذلك فلم يتضمن الكتاب رواية تفصيلية عما دار في اجتماعات الهيئات القيادية للتنظيم والحزب حول عمليات الإقصاء والإعدام سواء كشاهد عيان أو نقلاً عمن عاشوا تلك الأحداث؛ ربما لأن الكتاب كان ذكريات سريعة وليس مذكرات تفصيلية، لكن الراجح عندنا أن الأمر سيأتي في سياق حرص قادة اليمن الجنوبي على تجنب ذكر تفاصيل تلك الأحداث المأساوية التي شاركوا فيها، وربما كان القيادي الوحيد الذي يمتلك القدرة والمعلومات وله مشاركة في كل الأحداث بدءاً من 1969 هو الرئيس السابق علي ناصر محمد، لكن مسألة أن يقول كل ما عنده وعرفه تبدو من سابع المستحيلات!


•••

تم تحميل سالمين مسؤولية اغتيال الغشمي، وتقرر التضحية به من قبل قيادة حزبه، وسواء صحت الرواية الرسمية-التي أكدها جار الله عمر- عن أن أحد حراسه أطلق النار على مقر اللجنة المركزية فأدى إلى انفجار الموقف المتأزم يومها، أم صحت رواية الطرف الآخر أن سالمين كان موافقاً على الرحيل إلى أثيوبيا منفياً ثم غُدر به.. الثابت الآن أن المسؤول التنفيذي عن اغتيال الغشمي لم يمسه ضرر وهو القيادي المعروف صالح مصلح قاسم وزير الداخلية؛ مع أن موقف المحاسبة دفاعاً عن سمعة النظام المستهدف عالمياً كان يقتضي على الأقل معاقبته عن فعله ولو بطريقة غير معلنة، فمن غير المعقول أن يعدم رئيس الدولة بتلك الطريقة بسبب اغتيال الغشمي ثم لا يحدث للفاعل الحقيقي شيء!


مسؤولية صالح مصلح قاسم سمعتها شخصياً من الأستاذ فضل محسن عندما سألته عن الفاعل الحقيقي لاغتيال الغشمي، وكنا يومها ضمن وفد الرئيس السابق علي عبدالله صالح في منطقة كومو في إيطاليا، وحدث أنني دخلت المطعم لتناول العشاء، وبحثت عن مائدة لا تشرب فيها أم الكبائر، ورأيت الدكتور عبدالعزيز السقاف جالساً مع فضل محسن فاتجهت إليها لعلمي أن الدكتور لا يشرب، واستأذنت للجلوس معهم مصارحاً إياهم بالسبب، وجرنا الحديث عن حادثة شخصية وقعت لفضل محسن مع صالح مصلح حول اغتيال الغشمي وسالمين إلى السؤال عن الفاعل الحقيقي.. كذلك أكد جار الله عمر في شهادته المذكورة مسؤولية صالح مصلح عن اغتيال الغشمي، وأنه هو الذي اقترح الفكرة على سالمين الذي وافق عليها وكلفه بتنفيذها مع الانتحاري تفاريش الذي ربما يستحق وصف الانتحاري الأول في اليمن والوطن العربي.


المهم أن سالمين تحمل المسؤولية غصباً عنه إن صحت رواية أنصاره، وأن استحقاقات الصراع الخفي داخل التنظيم يومها وجدت في الاتهام فرصة نادرة لتصفية الحسابات مع سالمين بأقل التكاليف وعلى ظهر اغتيال الغشمي، وقد يكون الدليل على ذلك أن سالمين تحول بعد مقتله إلى رمز للشر، وحمل مسؤولية الأخطاء التي وقعت خلال الفترة الماضية (وهو فعلاً مسؤول.. لكن ليس لوحده)، وأنه كان يساراً انتهازياً مغامراً.. إلخ الاتهامات التي كيلت له يومها؛ مما يدل على أن سبب إزاحته والتخلص منه لم يكن بسبب عملية اغتيال الغشمي، ونظن أنه لولا الخلافات والرغبة في التخلص من سالمين انتهازاً للفرصة، لما قبل النظام -أي نظام!- بتلك السهولة رواية صنعاء التي حملت رئيس الدولة بطريقة غير مباشرة؛ وليس باتهام صريح؛ مسؤولية اغتيال الغشمي، وخاصة أن الغشمي كان معروفاً أنه عدو لهم ومقتله مكسب.


وأخيراً.. فلولا اعتراف اشتراكيين قياديين بأن وزير الداخلية كان المسؤول التنفيذي عن عملية الاغتيال بالتنسيق مع سالمين؛ لولا ذلك لكان لرواية تبديل الحقيبة الأصلية؛ التي قيل إن سالمين أرسلها إلى الغشمي واستبدلها خصومه في المطار بأخرى مفخخة؛ وجاهة في تبرئة سالمين، وهي تدل أيضاً على أن العلاقة بين الرجلين لم تكن سيئة؛ رغم معرفة سالمين بمسؤولية الغشمي عن مقتل صديقه إبراهيم الحمدي، وإلا كيف نفسر استمرار العلاقة بين الرجلين إلى درجة قبول استقبال مبعوث خاص والاطمئنان إليه أن يدخل إلى مكتب الرئيس لوحده ودون تفتيش؟ هل كان سالمين مثلاً قد قرر أن يتجاوز ولو مؤقتاً عن قاتل صديقه واستمر في علاقة ما معه لمواجهة خطر الأقربين؟

المصدر: العين أون لاين - ناصر يحيى