المؤرخ جعفر السقاف.. ذاكرة لا تشيخ



لقاء: صلاح صالح قعشة / الأحد 18 إبريل-نيسان 2010

رغم شيخوخته التي تشارف على إكمال قرن من العمر المفنى في تدوين مالم يدون في تلك الأزمنة من الحياة الثقافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والشعبية....إلخ في مناطق وادي وصحراء حضرموت ـ ماشاء الله.بعد جهد جهيد تمكنت من التواصل مع أحمد علوي السقاف أحد أحفاد المؤرخ والأديب والشاعر جعفر السقاف بعد صلاة عشاء إحدى ليالي الشهر الماضي وبعد أن أتممنا حضور مولده عبارة عن أحد الموالد التي يتم إقامتها طوال شهر ربيع الآخر في مدينة سيئون احتفاءً بمولد الرسول “صلى الله عليه وسلم”.خلال الطريق إلى منزل جعفر السقاف كنت أستفسر عن أحمد علوي عن كل مايختص بجده جعفر السقاف لتحين التفاتة إلى إحدى السيارات التي فوجئت بجعفر السقاف قائداً لها متوقفاً للترحيب أمام منزله الذي لم يستغرقنا وقتاً طويلاً للدخول إليه وصولاً إلى مكتبته الخاصة.

ملامح
متفرساً في ملامح جعفر السقاف كنت أترصد ملامح الرجل الوالج إلى عامه الثاني والتسعين بحصيلة ابنتين وثلاثة أبناء ذكور أكبرهم محمد الذي أتى إلى حياة السقاف في العام 1943 وأصغرهم موسى الكاظم الداعية المشهور، إضافة للأحفاد والأسباط وأسباط الأسباط.. متفرساً في جعفر السقاف كنت أنظر إلى شخص تخرج من مدارس وزوايا ومعاهد أهلية عليا بدرجة الماجستير بعد أن كان تلميذاً لمشائخ أبرزهم “ابن عبيدالله” “محمد بن هادي” “صالح الحامد” وغيرهم.. التفرس في ملامح جعفر السقاف الأديب والمؤرخ والصحفي والموثق والمنضوي في مؤسسات المجتمع المدني كان تحديقاً في اختيار مدخل ملائم للحديث.. شئنا أن نبدأه بالحديث عن البدايات الصحفية حيث تحدث جعفر السقاف بالقول:
صحيفة زهرة الشباب
كانت البدايات الصحفية بإصدار صحيفة خطية أسبوعية هي “زهرة الشباب في العام 1361هـ ـ 1942م” والتي كانت تصدر عن نادي الشباب بسيئون والتي كنت أرأس تحريرها وتضمنت الصحيفة التوثيق لأخبار الحرب العالمية الثانية، الأخبار المحلية، مناسبات المولد النبوي إضافة للمعارك الأدبية بين ابن عبيدالله وصالح علي الحامد.
ويضيف جعفر السقاف: وكنا نصدر هذه الصحيفة بخط اليد من أول صفحة إلى آخر صفحة ودون استخدام آلات الطباعة ـ الصف اليدوي.
غارقاً في الهم الصحفي ظل جعفر السقاف إلى أن تم اختيار السقاف من قبل السلطان حسين بن غالب الكثيري ناطقاً باسمه أمام الوفود الصحفية التي كانت تتوافد إلى حضرموت.
صحافة
ومع تواصله الدائم مع الوفود الصحفية التي كانت تزور حضرموت فتح الباب الصحفي واسعاً أمام جعفر السقاف حيث عمل مراسلاً لإذاعة عدن والتي كان يقوم بإعداد أحاديث ثقافية وفكرية وأخبار أسبوعية لها ضمن برنامج “المحميات” وكذا مراسلاً لصحف البعث في عدن والرائد في المكلا وفتاة الجزيرة بمقالات أدبية ومقارنات بين شعراء حضرموت، إضافة لعمله كمراسل لمجلة العربي الكويتية.
ونتيجة لما كان يتم من إرسال الرسائل الإخبارية إلى إذاعة عدن والتي كانت تعيد إرسالها إلى إذاعة الـ “B.B.C” فقد ارتبط السقاف بمعرفة شخصية مع كبير مراسلي الـ “B.B.C” خليل صباغ وهي المعرفة التي أدت إلى عرض الصباغ على جعفر السقاف الاشتراك في مجلس الشئون الإسلامية بنيويورك العام 1959م.
وفي العمل الصحفي لم يقتصر نشاط السقاف عند الحد السابق حيث تجاوزه للمشاركة بالكتابة في المجلات الأمريكية كمجلتي “الأخبار والنداء الأمريكيتين”.. حالياً لايزال السقاف يشارك بالكتابة في عدة صحف محلية كـ “المسيلة ـ شبام ـ ثمود ـ أنوار التلاقي ـ المنهج ـ ملتقى الأحباب الرباط ـ التراث ـ أبو ظبي ـ آفاق والثقافة والتراث والمدينة السعودية.
بدايات توثيقية
ويعتبر جعفر السقاف التوثيق جانباً مهماً من حياته ومن حياة الأمم والشعوب ويتحدث السقاف عن بداياته مع التوثيق بالقول:
توظفت رئيساً لتوثيق الوثائق في المحاكم الشرعية على مستوى الدولة الكثيرية وذلك في العام 1947م ومن هنا بدأت علاقتي بالتوثيق.
ويضيف السقاف: كانت هذه المرحلة مرحلة ثرية حيث تم فيها العمل بإعداد دستور الدولة الكثيرية وكنت سكرتيراً للجنة الدستور وأتينا بخبير قانوني، وتم إنجاز الدستور .
ويزيد السقاف على ماسبق بالقول: كما شهدت هذه المرحلة إنجاز عدة قوانين كقانون الانتخابات، قانون الجمارك، قانون الجوازات وغيرها من القوانين التي نظمت حياة الناس آنذاك.
مجتمع مدني
وبالتأكيد فحضرموت الوادي مثلت حالة خاصة في سبق الإنشاء والتأسيس والتعامل مع منظمات المجتمع المدني حيث كانت فترة الخمسينيات من القرن المنصرم زمن الدولة الكثيرية مابدأ فيها ذلك حسب السقاف والذي لم تكن منظمات المجتمع المدني غافلة عن ذهنة ليشارك في العديد منها سواءً التعاونية أو الزراعية أو الصحية أو التجارية أو غيرها.. حالياً لايزال السقاف يحتفظ بملفات مكدسة عن كل مايخص هذه الجمعيات وأدبياتها وندواتها ودوراتها وأنشطتها في تلك المرحلة.
ثقافة ووثائق
ومع مجيء مرحلة حكم الحزب الاشتراكي اليمني، انتقل جعفر السقاف للعمل من المحاكم إلى مجال الثقافة حيث تم تعيينه كنائب لمدير مكتب الثقافة والسياحة بمحافظة حضرموت من 1974 إلى نهاية 1979م.
وفي هذه المرحلة 1975م كذلك تم انتداب جعفر السقاف للمشاركة في مؤتمر الوثائق الدولية الذي انعقد في مدينة طبرق في ليبيا حيث شارك السقاف بكتاب “التوثيق والوقائق اليمنية نقوشاً ومخطوطات”.. مرحلة الوثائق كانت مرحلة من عمر جعفر السقاف وأعتقد أنها لازالت حيث كان للسقاف مشاركة جد هامة ومميزة تمثلت في تقديمه لـ “100” وثيقة تناولت الوضع السياسي والاجتماعي في حضرموت وكذا خرائط من ضمنها الخرائط الخاصة بتقسيم الحدود مع الشقيقة السعودية لمركز الوثائق اليمنية.. حالياً حصل جعفر السقاف على التقاعد بعد أن عمل مشرفاً للمخطوطات على مستوى الجمهورية من “1/7/1980م” إلى “1989م” وحالياً كذلك لاتزال الكثير من الوثائق بحوزته والتي نأمل أن تجد طريقها للنور كالمخطوط اليتيم الخاص بالفرقة المطرفية اليمنية المكتوبة في القرن السادس الهجري حول فلسفة الكون من خلال آيات قرآنية.
جمال عبدالناصر
بكثير من الانتشاء كان ذلك حال جعفر السقاف عندما انتقل في حديثه عن الأحداث البارزة التي كانت في حياته خاصة ثورة 23 يوليو 1952م،ويقول السقاف:ـ
 لم يسخر زعيم عربي من الإنجليز كما سخر منهم عبدالناصر في مقولته: على بريطانيا العجوز أن تأخذ عصاها من الجنوب اليمني وترحل.
 تأثير ثورة يوليو 
 ويضيف السقاف: أيام ثورة ناصر كنا نردد أغاني محمد عبدالوهاب “السد العالي ـ العلم ـ ناصر”،رفعنا رؤوسنا بتأميم قناة السويس ولأنه أرغم الغرب على الاستجابة، وفي نكسة 67 انتابنا الحزن  نتيجة الحرب ولكنها كانت تصحيحاً لأخطاء عبدالناصر لاعتماده على شخصيات غوغائية،ويمكنني القول بأن ثورة يوليو كان لها أفضل الأثر في مجرى حياتي.
 إكليل من الزهور 
بغير كثير من الابتسام يشير السقاف إلى سبتمبر 1971م ويقول: أتى يوم وفاة جمال عبدالناصر وأنا في مصر،حيث ذهبت مع عدد من الطلبة اليمنيين الدارسين فيها إلى قبر جمال عبدالناصر ووضعنا إكليلاً من الزهور على قبره.
  أغاني جراموفون للطرب الأصيل 
خلال حديثي مع المؤرخ جعفر السقاف داخل مكتبته المنزلية حانت مني التفاتة إلى أقراص جراموفون موضوعة على أحد الأرفف لأسأله عنها وليجيب بقوله: هذه أقراص جراموفون فيها أغان لأم كلثوم وغيرها من مشاهير الطرب الأصيل.
 أم كلثوم وأشعار الخيام 
ما ذكره السقاف كان مدخلاً لسؤاله عن ما يسمع وما يتذوق فنياً ليقول: أستمع لأم كلثوم خاصة أغنية «القلب يعشق كل جميل» وحيث كنا نتابع سهراتها كل ليلة جمعة مع مجموعة من شباب سيئون،كما أستمع لعبدالوهاب وإضافة لنهج البردة وريمٌ على القاع ولأشعار عمر الخيام المغناة،حيث فيها فلسفة دينية عميقة.
أدب 
كنحلة نشيطة ذاك حال جعفر السقاف،حيث اقتحم مضمار الأدب بعدة قصائد ودراسات أدبية وثقافية..  ويقول: عملت سكرتيراً لاتحاد الأدباء والكُتاب اليمنيين بوادي حضرموت من 1973م وحتى 1979م،كما كنت ممثلاً لمجلة الحكمة بسيئون من 1974م وحتى 1980م.
 عمر الجاوي 
 بكثير من الشجن أضاف السقاف: زاملت عمر الجاوي وعملنا معاً بمجلة الحكمة والتي لازلت أحتفظ بكل أعدادها من أول عدد وحتى آخر عدد، كما كان صديقي الجاوي يعتمد عليّ في كل ما يتعلق بفرع الاتحاد بحضرموت، أما في زياراته إلى سيئون فكنت مرافقه ولا أزال أتذكر مقولته: سيئون هي جعفر السقاف.
 أمنية زيارة صنعاء 
 ويضيف جعفر السقاف: بانعقاد مؤتمر اتحاد الأدباء العرب الـ “13” تحققت أمنيتي بزيارة صنعاء وهو ما أدى لنظمي قصيدة باسم “ اللقاء الأول بصنعاء” نشرتها صحيفة شعاع الأمل.
 كل أنواع الشعر 
وبإجابته عن قوله الشعر وتفضيله لأنواع منه قال السقاف:  أقول الشعر بالفصيح وباللهجة الدارجة وأحبذ كل أنواعه وكلها لها طعم خاص عندي،وأكثر ما أفضله هو الشعر الذي قيل في الوحدة..  أما ما يحب السقاف الإشارة إليه،فمشاركته في الأسبوع اليمني الثقافي في فرنسا العام 1999م مع الشاعر محمد حسين هيثم وعبدالكريم الرازحي.
 سينما 
وفي بدايات ستينيات القرن المنصرم كان جعفر السقاف يزاول دوراً تنويرياً آخر، حيث ساهم مع 7 أشخاص آخرين في تأسيس سينما أهلية كانت تقوم بعرض الأفلام المتنوعة ولايزال السقاف يحتفظ بأفلام تلك المرحلة حتى الآن.
علاقات أدبية وثقافية 
علاقات عديدة استطاع السقاف توثيقها مع عديد مؤسسات منها مؤسسة الإبداع للثقافة والآداب بصنعاء، مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، المجمع الثقافي والمكتبة الوطنية بأبوظبي، نادي تراث الإمارات بأبوظبي،المركز الوطني للوثائق بصنعاء ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بإمارة دبي.
 استمرار التوثيق 
حالياً لايزال النشاط رفيق جعفر السقاف وذلك ما دفعه لافتتاح مكتب التوثيق الخاص به في مدينة سيئون والذي يختص بتوثيق الكتب،المخطوطات،الوثائق والمطبوعات القديمة حجرية هندية وعربية،صحف محلية خطية،مطبوعات،خرائط،شجرات الأنساب وكتب أنساب القبائل،الأشعار الشعبية القديمة، صحف المهجر ومطبوعات المغتربين،الصور القديمة الثابتة والمتحركة،أقراص الجرامافون ودساتير وتشريعات السلطتين القعيطية والكثيرية واتحاد الجنوب العربي وفترة حكم الحزب الاشتراكي اليمني.
الحب معنى لطيف
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً وهو ما أدى لأن أوجه عدداً من الأسئلة ذات الإجابات المختصرة كان مفادها إجابات جعفر السقاف بالقول: اليمن أمي، حضرموت مسقط رأسي، الحياة هي الثقافة، الموت أعلى فراديس الجنان والحب كما قال أبوبكر سالم “معنى لطيف”.. فيما كنت أستعد لوداع الأديب والمؤرخ جعفر السقاف كنت أخاطب نفسي بالقول: لم أعط الرجل حقه وربما تحين فرصة أخرى، كان السقاف يباغتني بآخر ماقاله “أهنىء صحيفة الجمهورية لأنه اسم خالد.