البيت الذي ولد فيه الرسول


البيت الذي ولد فيه الرسول كان موضع احتفاء كبير للمسلمين من مقيمين ومجاورين وحجاج في القرون الأولى للهجرة. وهكذا يذكر لنا الرحالة المعروف ابن جبير خلال زيارته لمكة في 578هـ/1182م في الفصل المعنون "ذكر بعض مشاهدها المعظمة وآثارها المقدسة" عن مشاهدته هناك لـ"مولد النبي"، حيث "بني مسجد لم ير أحفل بناء منه". ويوضح ابن جبير أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا يحتفلون بالمولد النبوي حيث كانوا يحرصون على زيارة "مولد النبي" يوم الاثنين من شهر ربيع الأول وهو "يوم مشهود بمكة دائماً".
وتفيد المصادر أن الخيزران أم الخليفتين( موسى الهادي وهارون الرشيد ) هي التي اشترت البيت الذي ولد فيه الرسول وجعلته مسجداً يصلى فيه حين جاءت مكة للحج في سنة 171 للهجرة. وكان هذا البيت قد آل إلى عقيل بن أبي طالب لما هاجر الرسول إلى المدينة، وبقي بيده ويد أولاده وأحفاده حتى باعه أحدهم إلى محمد بن يوسف الثقفي( أخ الحجاج ) إلى أن جاءت الخيزران واشترته وأشرعته الى الزقاق حتى أصبح يسمى " زقاق المولد ".

ويبدو من وصف ابن ظهيرة أن الاحتفال بالمولد النبوي في مكة أصبح ينتهي بـ"المولد"، أي البيت الذي ولد فيه الرسول. وهكذا يذكر أنه "جرت العادة بمكة في ليلة مولد الرسول أن يتهيأ الكبار والعلماء وأعيان البلاد بالفوانيس والشموع فيخرجون إلى بيت المولد لزيارته وإحياء ذكرى مولده".
ويبدو أن البيت في شكله القديم كما وصفه الفاسي في كتابه "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" كان يتألف من بيت مربع في إسطوانه عليها عقدان، وفي ركنه الغربي زاوية كبيرة، وفيه عشرة شبابيك، وفيه محراب، وبقرب المحراب حفرة عليها درابزين من خشب إشارة إلى الموضع الذي ولد فيه الرسول.
ومع تزايد الاهتمام والاحتفال بالمولد النبوي في العالم الإسلامي فقد حظي البيت/المسجد برعاية خاصة من قبل الخلفاء والسلاطين. فقد جدده الخليفة العباسي الناصر في سنة 576هـ كما جدده ملك اليمن المظفر في سنة 666هـ, ثم حفيده المجاهد في سنة 740 للهجرة. وخلال العهد المملوكي تم تجديده عدة مرات على يد السلطان الأشرف شعبان والسلطان الظاهر برقوق. وفي بداية العهد العثماني شهد "المولد" تعميراً جديداً قام به السلطان سليمان القانوني في سنة 935 للهجرة, ولكن التعمير الأكبر له جرى خلال 1009 للهجرة على يد السلطان محمد الثالث. فقد بنى في أعلاه قبة عظيمة ومنارة ورتب له إماما ومؤذنا ومدرسا يدرس فيه وخادما. كذلك فقد قام محمد علي باشا بتعمير آخر له في 1228هـ/1813م بعدما كلفه السلطان العثماني بالقضاء على الدولة السعودية الأولى. ويلاحظ هنا أن التعمير الجديد قد شمل أيضاً البيوت الأخرى التي كانت معروفة للمسلمين حتى ذلك الوقت كبيت أبي بكر الصديق وبيت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
ويلاحظ أن الدولة العثمانية بعد أن استعادت سيطرتها على الحجاز في 1840م تولت من جديد رعاية البيت الذي ولد فيه الرسول (المولد) وخصصت له الأموال من حين إلى آخر حتى يكون في أحسن حال. وهكذا لدينا رسالة من الباب العالي في 23 جمادى الأولى 1290هـ إلى "ولاية الحجاز وإمارة مكة المكرمة" تتضمن موافقة السلطان على إرسال المبلغ الذي طلبته الولاية (29,725 قرشا) لـ"ترميم البيت الذي ولد فيه الرسول" وبعض الأماكن الأخرى، مع التأكيد على سرعة الإنجاز "قبل حلول موسم الحج".
وقد بقي هذا البيت يحظى بالرعاية بعد الثورة العربية وحتى نهاية المملكة الهاشمية في الحجاز، حيث لحق به ما لحق بعض مشاهد وآثار مكة من هدم في 1926م. وقد ألهم الله تعالى الشيخ عباس قطان أمين العاصمة المقدسة في عهد الدولة السعودية بأن استأذن الملك عبد العزيز بن سعود لإعادة بناء هذا البيت من جديد بعد أن أصبح خربة مهجورة ليصبح مقراً لمكتبة المدينة التي افتتحت في 1932.
وقد ذكر لي الصديق الدكتور أبو بكر باقادر خلال زيارتي إلى مكة في 2002 أن الكثير من الحجاج والزوار كانوا يتظاهرون بزيارة المكتبة ومطالعة الكتب فيها للتواصل الروحي مع المكان الذي ولد فيه الرسول.

محمد م. الأرناؤوط
منتديات البوحسن