أولويات الدعوة والدعاة - بقلم : الشيخ محمد الغزالي

في الميدان الدولي نجح أعداؤنا في طي راية الخلافة، وتقطيع أُمة التوحيد أُممًا شتى التحقت ذيولا بالكتل العالمية الكبرى، واصطبغت ثقافيًا وسياسيًا بألوان أُخرى غير صبغة الله.

والمطلوب من الدعاة الراشدين أن يدركوا الأُمة من الداخل، ويوقفوا حركة التمزيق الفكري والروحي الوافدة من الخارج.

وذلك يفرض علينا إحياء الإخاء الديني، وتنشيط عواطف الحب في الله، واختصار المسافات أو ردم الفجوات التي تفصل بين المنتسبين إلى الإسلام.

ولكي لا يكون ذلك خيالاً أو خطابة منبرية نرى صب الأمة كلها في تجمعات ذات أهداف حقيقية، تجمعات تتعارف على نصرة الإسلام وتتجاوب بروح الله وتتكاثر حتى تنضم المدن والقرى.
وأتخيل هذا التجمع على صورتين: الأولى أساسها وحدة العمل، كالروابط المهنية والهندسية والقانونية والعلمية وغرف التجارة واتحاد الطلاب والأندية الجامعية.إلخ.

والأخرى مُشكَّلة من طوائف متبانية جمعتها أسباب دائمة أو طارئة.


عمل التجمعات الأولي: خدمة الإسلام في ميادينها التخصصية، ومحو كل آثاره لتخلفنا الحضاري والمنافسة على السبق الشريف والحرص على نصرة الإسلام بدءًا من قراءة العداد الكهربائي – مثلاً – إلى ملاحظة تسجيلات “الكمبيوتر”.

وعمل التجمعات الأخيرة توثيق الروابط بين الأعضاء الذين يتوزع نشاطهم على مجالات متباعدة، فالطبيب هنا قد يلتقي بموظف كتابي، والعامل بشركة أقمشة قد يلتقي بعامل في شركة أدوية، والمحاسب قد يلتقي بمدرس، والنقّاش قد يلتقي بصحافي.إلخ.

والمهم أن يرقب هؤلاء جميعًا أثر أعمالهم في النشاط الإسلامي، وأن يتعاونوا على ما فيه الخير لدينهم وأُمتهم.

ولا بأس أن يتزاوروا ويتهادوا ويُعمِّقوا مشاعر الود بين أُسرهم وأولادهم، في نطاق الأدب الإسلامي المقرر.

وإنما دعاني إلى هذا الاقتراح ما يعانيه أهل الدين من غربة، وما يعانيه الدين نفسه من خذلان في أخطر شئون الحياة، وما ينحصر فيه الدعاة من كلام حسن أو ممل.

إن الوعظ أخف الواجبات التي يتطلبها الإسلام في عصرنا.

الجهد الأول هو تحريك قافلة الإسلام التي توقفت في وقت تقدّم فيه حتى عبيد البقر.

وقد تكون الكلمة الجارية داخل معهد، أو مصنع، أو ديوان، أثقل في ميزان المؤمن من وعظ كثير.

وألفتُ النظر إلى منع الجدل الديني داخل هذه التجمعات، وقبول جميع المذاهب الفقهية المعروفة، وتكريس الجهود والأوقات لرد العدوان على ديننا وإعادة بناء أُمتنا على قواعدها الأولى.

فإذا كان لابد من بحث علمي، فليوكل كذلك ذلك إلى الأخصائيين، وهم فيه أصحاب الرأي. إنني –فيما بلوت- رأيت الخلاف الفقهي يتحول إلى عناد شخصي، ثم إلى عداء ماحق للدين والدنيا، فكيف إذا تصور البعض أن الأمر ليس خلافًا في الفروع، ولكنه خلاف في الأصول؟ المصيبة تكون أدهى وأمر.!

الاتزان العقلي نصاب لابد من توفره في أي جو ديني! إنه أساس التكاليف الدينية، ثم هو يُعدّ أساس التحدث إلى الناس باسم الإسلام.

وسعة العلم ضرورة لفهم وجهات نظر المجتهدين وترجيح مذهب فقهي على آخر.أما مرتبة الاجتهاد المطلق فاعتقادي أنها درجة أسنى تقوم – بدءًا – على الفضل الإلهي كما جاء في الحديث: “إلاَّ فهمًا يُؤتَاهُ رَجُلٌ في كِتَابِ الله” وكما جاء في الآيات: (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرثِ إذ نفشت فيهِ غنمُ القومِ وكُنَّا لِحُكمِهِم شاهدين ، فَفَهَّمنها سُليمان وكُلاًّ ءاتينا حُكما وعِلما ) – (الأنبياء:78 و 79)

وانظر إلى عبدالله بن عباس، كيف فهم من سورة النصر ما غاب عن أفهام الصحابة في مجلس عمر، فقال موضحًا المعنى المراد: “أراه حضور أجل النبي صلى الله عليه وسلم ! ”.

إن هذا الذكاء اللماح بعض الحكمة التي ينعم الله بها على من يريد له الخير
(يؤتي الحِكمَةَ من يشاءُ ومن يُؤتَ الحِكمَةَ فقد أُوتِيَ خيرًا كثيرًا) – (البقرة:269)

إن جو الفقه والفتوى وتربية الأُمة وتبصير أولي الأمر شأو يستبعد منه قصار الباع والهمة والفكر، ويستحيل أن يحيا فيه المتطاولون الذين يحسنون الهدم ولا يطيقون البناء، نقول ذلك كله لنلفت الأنظار إلى خاصة بارزة في ثقافتنا القديمة هي أن عمل الفقهاء أكمل جهد المحدِّثين وضبطه وأحسن تنسيقه ويسر الإفادة منه. ومن ثم قاد الفقه حضارتنا التشريعية في أغلب العصور.

والتأمل في الآثار الواردة يجعل وظيفة الفقهاء لا محيص عنها، ويجعل الاستقاء المباشر من السُنة صعبًا على العامة ومَن في منزلتهم من ذوي النظر القريب، ذلك أن هناك قضايا وردت فيها آثار متقابلة، وقضايا أخرى لا ينفرد بالبت فيها حديث فذ.

روى مالك قال: “بلغني أن عبدالرحمن بن عوف – رضي الله عنه – تكارى أرضًا فلم تزل في يديه حتى مات! قال ابنه: فما كنت أراها إلا لنا من طول ما مكثت في يديه! حتى ذكرها لنا عند موته وأمرنا بقضاء شيء كان عليه من كرائها، ذهب أو ورق..”” وهذا الحديث يجيز استئجار الأرض لزراعتها.

وروى الشيخان عن ابن عباس قال: خرج رسول الله إلى أرض وهي تعتز زرعًا فقال: “لِمَن هَذِهِ؟ قَالوا: اكتَرَاهَا فُلاَنٌ، قَالَ: لو مَنَحَهَا إيَّاهُ كان خيرًا أن يأخُذَ عليها أجرًا معلُومًا.”!

وفي رواية عن رافع بن خديج: سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم : “كيف تصنعُونَ بمَحَاقلكُم؟ قلت: نؤجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير! قال: لا تفعلوا، ازرعوها – يعني بأنفسكم – أو ازرعوها –أي امنحوها غيركم- أو امسكوها! قال رافع: قلت: سمعًا وطاعة..”!

وللفقهاء كلام في هذه المرويات، منهم من رفض الإيجار، حيث تجب المواساة والتراحم، وأباحه في الأحوال العادية، ومنهم من رفضه إذا كان هناك غبن أو غرر، ومنهم من أبطل المزارعة، ومنهم من أباحها، وكلاهما غلَّب بعض النصوص على بعض آخر لملحظ ما، وليس هنا مكان التفصيل.

وقبل أن نورد نماذج أخرى ننبه إلى أن العقائد والعبادات الرئيسية والسنن العلمية جاءت كلها عن طريق التواتر القاطع، وأن أصول الدين وأركان الطاعات وقواعد السلوك لا يرتقي إليها لبس أو تفاوت، وإنما يحدث الخلاف في أمور ثانوية لا يضخمها إلا أصحاب الفكر المختل.