كي لانكون قوماً شدّد الله عليهم

المصدر: فهد عامر الأحمدي / جريدة الرياض

قبل عامين تقريباً - وقبل الاضطرابات الأخيرة في سورية - زرتُ دمشق وفي ذهني زيارة سوق الحميدية والصلاة في المسجد الأموي.. وكان الجو حينها شديد الحرارة لدرجة اقترحتُ على أم حسام البقاء في المسجد حتى يبرد الجو بعد صلاة الظهر.. وبعد انتهاء الصلاة سرحت في تأمل نقوش المسجد وطرازه المعماري.. وسرعان ما تحولت اهتماماتي الى تخمين جنسيات الزوار ومذاهب المصلين - الذين تنوعوا مابين عراقيين وأكراد وهنود وإيرانيين وشيعة وطوائف كثيرة أتت لزيارة قبر النبي يحيى ورأس الحسين عليهما السلام..


وخلال ذلك لاحظت أن صلاة الجماعة أقيمت (عدة مرات) بعد انتهاء صلاة الظهر الرئيسية.. وفي البداية ظننت الأمر متعلقاً باختلاف المذاهب وتعدد الطوائف فسألت مواطناً سورياً بقربي: "لماذا تقام صلاة الجماعة عدة مرات في المسجد؟"

فأخبرني بجوانب كانت أبسط وأسهل (وأكثر براءة) مما تصورت فعلا..

فقد قال: "هؤلاء أصحاب السوق ممن لم يحضروا في أول الوقت ويتناوبون على الصلاة جماعة كي لا يغلقوا المحلات وتتعطل المصالح".. وما أن أنهى جوابه حتى سألني ما إن كنا نفعل ذلك في السعودية فأجبته: "ليس هذه الأيام؛ ولكن حين كنت طفلاً كان أصحاب المحلات يتناوبون على الصلاة في المسجد النبوي، وكان هناك مايعرف بصلاة الأعمام (وهم مُلاك المحلات الذين يصلون أولًا) تليها صلاة الصبيان (ممن يعملون فيها ثانياً)...

فنحن نعرف أن للصلوات أوقاتاً (وهوامش زمنية) فرضها الله من باب الرخصة والتيسير على عباده.. فوقت صلاة الظهر مثلا من زوال الشمس حتى يصبح ظل كل شيء مثله، وصلاة العصر من "حتى يصبح ظل كل شيء مثله" إلى أن تصفر عين الشمس..



وهذا لا يمنحنا فقط فسحة وهامشا زمنيا لتأدية الصلاتين، بل وإمكانية تأديتهما سوياً (حين يصبح ظل كل شيء مثله فيتداخل نهاية وقت الظهر مع بداية وقت العصر).. وليس أدل على هذا من تأخير الرسول الكريم لصلاة الظهر حتى العصر في أشهر الحر حيث قال: أبردوا بالصلاة فإن حر الظهيرة من فيح جهنم.. وبالجمع بين تداخل الوقت، واشتداد الحرارة نفهم لماذا تعمد بعض الطوائف للجمع بين الصلاتين حتى في غير سفر!!

... أيضا ، خذ كمثال صلاة العشاء التي لا تتمتع فقط بهامش زمني طويل (من مغيب الشفق حتى منتصف الليل) بل ويُستحسن أداؤها متأخرة.. وهذا الأمر لم يتفق عليه فقط علماء الأمة بل ونصحت به هيئة كبار العلماء في السعودية في أكثر من فتوى - لا يتسع المجال لذكرها كلها - ولكن من بينها فتوى للشيخ ابن باز تحت عنوان: هل يُستحب تأخير صلاة العشاء يقول فيها السائل:



"سمعت أنه يستحب تأخير وقت صلاة العشاء للرجال فهل يجوز ذلك للنساء"؟



فيقول سماحته بالنص:



"الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد: فقد ثبت عن النبي ما يدل على أنه يستحب للرجال والنساء تأخير صلاة العشاء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما أخرها ذات ليلة إلى نحو ثلث الليل قال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) فإذا تيسر تأخيرها بدون مشقة فهو أفضل"...



... وفي الحقيقة ؛



فقهاء الأمة أكثر تسامحاً كونهم يعرفون أن فتح المحلات وقت الصلاة أمر لا يصح إنكاره على من أخذ بقول جمهور العلماء من أن صلاة الجماعة (سنّة مؤكدة).. وحتى من قال ب(وجوب الجماعة) لم يقل بوجوب إقامتها في وقت محدد وحسب جدول صارم يحاسب عليه الناس !!

 الجزء الثاني
 
مقال اليوم استكمال لمقال الأمس بخصوص تشددنا في إقامة صلاة الجماعة (في موعد مُحدد وجدول مُوحد) في حين أتاح لنا رب العباد أداءها خلال هوامش زمنية طويلة منعاً لتعطل المصالح وانقطاع الأرزاق وتأخير الحاجات..




وضربت حينها مثلا بصلاة الظهر التي يمتد وقتها حتى دخول العصر، وصلاة العشاء التي يمتد وقتها حتى منتصف الليل (بل ويستحب تأخيرها باتفاق الأئمة / وحسب ماجاء في فتاوى هيئة كبار العلماء)...



أضف لهذا تدل سيرة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم على أنه لم يكن يفعل مانفعله اليوم من التشدد في تأدية الجماعة فور إقامتها ، بل على العكس تماما كان يسمح بتأخيرها أو تقديمها من باب الرخصة (حين يشتد الحر مثلا، أو خشية المشقة على الناس مثلما حصل حين ناداه عمر بخصوص صلاة العشاء: يا رسول الله رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر، وقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)!!



وفي الحقيقة هناك فرق بين إقامة الجماعة في الناس، وبين إقامة الناس في صلاة الجماعة.. فإقامة الجماعة في الناس فرض على ولي الأمر (ولهذا تبني الدولة المساجد وتوظف المؤذنين والأئمة) أما إقامة الناس في صلاة الجماعة فمسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء ناهيك عن إقامتها في وقت محدد وحسب جدول صارم يحاسب عليه الناس !!



وعطفاً على الأدلة والشواهد التي أوردتها في آخر مقال (ومن بينها فتوى صريحة للشيخ ابن باز ضمن الفتاوى المطبوعة لهيئة كبار العلماء)..



وعطفا على عدم وجود أدلة وشواهد تؤيد التضييق على الناس ومطاردتهم لأداء الجماعة في وقت موحد يحق لنا التساؤل:



لماذا إذاً نضيق على أنفسنا وقد منحنا الله فسحة من الوقت لأداء الصلوات؟



ولماذا نشكك في نية المسلم لمجرد انشغاله خارج المسجد حين يُرفع الأذان؟



ولماذا نعطل المصالح والأعمال في حين يمكن التناوب على صلاة الجماعة (كما في الأزهر والجامع الأموي وبقية العالم الاسلامي)؟



وكيف نعرف أن من تقبض عليه الهيئة لم يكن ينوي الصلاة في آخر وقتها / أو أن من لا ينوي الصلاة من أساسه سيلتزم بها لمجرد القبض عليه!!



ولماذا نترك الفرصة (لمن لا يصلون أصلا) للتهرب من وظائفهم وترك مكاتبهم بحجة «الوضوء» أو «الذهاب للمسجد»!؟



وحين تتعطل الأعمال بشكل كامل، ألا يشغل ذلك أذهان المصلين وأصحاب المصالح عن الصلاة ذاتها (بدليل أن الرسول كان إذا سمع بكاء الصبي يسرع في الصلاة مخافة أن تفتن أمه)!!



وأخيرا ، هل مانفعله اليوم أمر فعله الرسول (حتى حين تركوه قائما في صلاة الجمعة) أو الخلفاء الراشدين من بعده (عليكم بسنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)!



أخبرك سلفا بأن هناك من سيتجاهل كل هذا ويركز على الأفضل والمستحب والأكمل وكأننا أكثر تقوى من نبي الأمة الذي كان يسرع بالصلاة شفقة بالأم، أو يؤخر الظهر خشية الحر، أو صلاة العشاء لمنتصف الليل... (بل لاحظ ان في قوله لعمر: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي إجازه ضمنية بمخالفة وقتها رحمة بالأمة)!!



ورغم أن مساحة المقال لم تتسع لسرد أمثلة من الواقع ؛ كلي ثقة بأن جميعكم مر بمواقف طارئة أو حرجة بسبب تعطل الأعمال فور رفع الأذان وهو ما يخالف الحكمة من مد أوقات الصلاة لقضاء حاجات الناس ومراعاة مصالح العباد قبل خروج وقتها النهائي ..



أما إصرارنا على التضييق والتشديد وتوحيد المواعيد وفعل مالم يفعله نبي الأمة وصحابته الكرام فيدخلنا بلا شك ضمن قوله : «إن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم» !!