اتحاد «صوفي عالمي» لتوحيد الصف

المصدر: جريدة  الشرق الأوسط
القاهرة: وليد عبد الرحمن
أرسل مشايخ الطرق الصوفية على مستوى العالم، المشاركون في أول مؤتمر عالمي للتصوف في مصر، برقيات للأمم المتحدة والمجتمع الدولي للإسراع بالاعتراف بدولة فلسطين. مستنكرين المحاولات الإسرائيلية المتكررة لهدم المسجد الأقصى وتهويد القدس الشريف، داعين الأمة العربية والإسلامية للتوحد والتوافق وإزالة العقبات من طريقها في ظل «الربيع العربي» الذي تشهده الشعوب واستئناف صناعة الحضارة وإسعاد البشرية بوسطية وسماحة الإسلام.

وأوصى المؤتمر بتجديد الخطاب الصوفي المعاصر وتغيير مصطلحاته ليتحول إلى منهج عملي محدد السمات ويلامس الحياة في سائر المتغيرات، وتأسيس أول اتحاد «صوفي عالمي» يضم الطرق والهيئات والجماعات والمؤسسات والمنظمات، بهدف توحيد الصف والكلمة والنهضة والرقي روحيًّا بالمسلمين حتى يكونوا أدوات للإصلاح في العالم. كما أوصى المؤتمر بتعديل القانون رقم 118 لسنة 1976 الخاص بالطرق الصوفية في مصر، ليتضمن قصر ولاية شيخ مشايخ الطرق الصوفية، لتصبح لفترة واحدة أو ولايتين بحد أقصى، ووضع ضوابط شرعية وعلمية لمن يتولى منصب رئيس أي طريقة صوفية، وضمان استقلال المشيخة العامة للطرق الصوفية عن الدولة.
وتبرأ المشاركون في المؤتمر من فتح باب التشيع في العالم العربي، مؤكدين على أن الصوفية منتمية لأهل السنة وليس لها علاقة بالشيعة.
واختتمت في القاهرة أمس (الاثنين) فعاليات مؤتمر «الصوفية.. منهج أصيل للإصلاح» والذي استمر لمدة ثلاثة أيام برعاية الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، وبإشراف المشيخة العامة للطرق الصوفية ووزارة الأوقاف المصرية، وبمشاركة 300 عالم ومتصوف ينتمون لأكثر من 35 دولة عربية وإسلامية وأجنبية.
وشارك في أعمال المؤتمر عدد من مرشحي الرئاسة المحتملين في مصر، بينهم عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح، بالإضافة إلى ممثلين عن الأحزاب والقوى السياسية وشباب ثورة 25 يناير، وجماعة الإخوان المسلمين والكنيسة القبطية ممثلة عن البابا شنودة بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية.
وغاب الدكتور أحمد الطيب عن حضور المؤتمر، وأناب عنه الدكتور حسن الشافعي مستشار شيخ الأزهر، الأمين العام للمؤتمر. الذي أكد على أن التصوف ضرورة إنسانية وصحوة فاعلة تدعو إلى البناء والجهاد والفداء والتضحية في كل حين وفي خدمة الخلق أجمعين، مضيفا أن مهمة التصوف، العمارة وبناء الحضارة، والدفاع عن مقدسات الأمة، مشيرا إلى أن الصوفية كانت تقود الشعوب في حركات التحرير والجلاء.
ويأتي المؤتمر الأول للتصوف، في محاولة جادة من علماء التصوف الإسلامي في العالم لتوحيد وتفعيل دور أكثر من 15 مليون متصوف مصري وما يزيد عن 200 مليون متصوف في الدول العربية وحول العالم، للإسهام وبفاعلية في دعم المساعي والتوجهات الحالية في الدول الإسلامية الهادفة إلى تحقيق الإصلاح الشامل والتنمية الحقيقية في جميع القطاعات المجتمعية.
ومن جانبه، طالب الدكتور عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف المصري، الذي افتتح فعاليات المؤتمر، بتجديد الخطاب الصوفي المعاصر وتغيير مصطلحاته ومن أهمها مصطلح «المجاهدة»، ليتماشى مع روح العصر، وكذا تحويل السلوك الصوفي إلى سلوك عملي يسهم في النهوض بالأمة، مطالبا الصوفيين بتوحيد خطابهم إلى العالم الغربي والذي أصيب بالجفاء الروحي، ليواجه الحضارة المادية ويضع رؤية لنشر سماحة الإسلام في ربوع العالم.
وأكد القوصي على أهمية التوافق بين المادة والروح، حتى تتجسد الصوفية بمعناها الحقيقي، لتقوم بتقوية علاقة الإنسان بربه، وتسهم في إيجاد روح ناهضة بالحيوية، ورؤية فاعلة تنطلق من المفاهيم الأصيلة للإسلام، مشيرا إلى أن الطرق الصوفية تعمل بأصول الكتاب والسنة.
ومن جانبه، قال مفتي مصر الدكتور علي جمعة: «الصوفية تصلح ولا تفسد، وتوحد ولا تفرق، وتوجه الناس إلى الإخلاص لله تعالى في كل أعمالها، وتعمل على تحقيق العدل وتنشئة الأجيال على طاعة الله، وتجسد الحب في الله بين الناس وتنشر التقوى على النفوس لتتحلي بالعفاف والحياء والسعي إلى الخيرات»، مؤكدا على أن «التصوف هو طريق للحب والسلام».
وأكد محمد عصام الدين، رائد العشيرة المحمدية، عضو مشيخة الطرق الصوفية في مصر، على أن «الأفكار الإرهابية وأجواء الفساد لا تقوم في حالة الوازع الديني، وأن التصوف ليس مذهبا، والصوفية ليسوا فرقة، فهي عقيدة المسلم في مشارق الأرض ومغاربها».
وقال المشاركون في الفعاليات، إن المؤتمر يكتسب أهمية كبيرة في ظل ما تعاني منه الدول العربية والإسلامية من ضغوط خارجية متواصلة، لفرض نموذج معين للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت شعار الإصلاح، والهادفة إلى تمرير هذه النماذج التي لا تتفق مع طبيعة التراث الحضاري للأمة وتحقيق أهدافها القومية.
ومن جهته، أكد الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق، أن المؤتمر جاء في توقيت هام، لافتا إلى أن «عالمنا يموج في فتن وتحديات، ولا خلاص منها؛ إلا بالعودة إلى الله تعالى وتوثيق الصلة به»، قائلا: «الإصلاح يتجسد في العودة إلى الإسلام الصحيح».
وأوضح هاشم أن أي شريعة بلا حقيقة عاطلة، وأي حقيقة بلا شريعة باطلة، مضيفًا: «آن الأوان لأمتنا أن تتجه إلى الله تعالى، وتغليب قيم الإسلام وأخلاقه على إفادتها من التوحد والتعاون والألفة والود والمحبة، وترك الكراهية والحقد والبغضاء»، مشيرا إلى أن الدخلاء على الصوفية يشوهون تاريخ الصوفية وحاضرها ومستقبلها. وقال هاشم: «الطرق الصوفية لم تعرف يوما التطرف، ولم يخرج من عباءتها من يعادي الآخر، والمنهج الصوفي يدعو إلى الألفة والمحبة وتوثيق الصلة بالله».
ودعا الشيح عبد الهادي القصبي، شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر، كل التيارات والقوى الوطنية والإسلامية إلى التوحد والتوافق في هذه اللحظات التاريخية في مصر والعالم، من أجل مصلحة البلاد، والتصدي لمحاولات التعدي على إرادات الشعوب في اليمن وسوريا وليبيا وغيرها، موضحًا أن إصلاح الفرد هو رسالة أهل التصوف.
وطالب محمود الشريف، نقيب الأشراف في مصر، القادة العرب أن يعملوا على توحيد الصفوف وتوافق الكلمة مصداقًا لقوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعا وَلا تَفَرَّقُوا»، مناشدًا كل العلماء في كل مكان، تفعيل دور الأمة الريادي في العالم نحو تربية المجتمعات على السير على هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومكارم الأخلاق وفق المفاهيم الإسلامية الأصيلة.
كان المؤتمر قد بحث خمسة محاور تناولت الحاجة إلى الإصلاح الشامل في المجتمعات العربية والإسلامية، وطرح التصوف كمنهج للإصلاح، والإشكاليات والعقبات التي تواجه الإصلاح، وتطبيق نماذج الإصلاح الإسلامية، وعرض إمكانيات الإصلاح عند الصوفية في بناء العقل والروح».
ودعا الدكتور عبد الرحمن البر، أستاذ الحديث بجامعة الأزهر عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين، الصوفيين إلى الانتقال من الكلام النظري إلى الواقع العملي والتنفيذي، وعدم اختزال العبادة في الذكر والانعزال في المساجد فحسب؛ بل يجب أن يكونوا مجاهدين في الحياة، يقدمون نموذج القدوة والتفرد؛ اقتداء بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وطالب البر كل التوجهات الوطنية والإسلامية في مصر والأمة العربية والإسلامية بالتوحد صفًّا واحدًا على كلمة سواء، ومواجهة التكتلات التي تضعف الصف الوطني؛ حتى تعود إلى الخريطة العالمية رائدة وقائدة تسيطر على كثير من أجزائه بعد ضعفها.
ودعا الداعية الحبيب علي الجفري، المدير العام لمؤسسة طابا للدراسات الإسلامية بأبوظبي، إلى أن يتصدر التصوف في كل مكان، من هم أكثر أخلاقًا وانضباطًا، قائلا: «لا يجوز أن يكون قيادة الصوفية من هم جاهلون بالإسلام، ومن يفتقدون القيم والأخلاق»، وأرجع ذلك «لأن العالم يفتقد ظهور المربين العلماء العاملين بعلمهم والنافعين للناس».
وقال الجعفري: إن «إقامة هذا المؤتمر في مصر يحقق النهضة للأمة»، مؤكدا على ضرورة بناء المسلمين روحيًّا؛ لكي يتمكنوا من الإبصار إلى مفاهيم القرآن والسنة بعمق، وحتى يستطيعوا مواجهة سطوة الباطل الزائفة؛ حيث إن الباطل يستقوي بقدر تقاعس أهل الحق عن مناصرة حقهم».
وطالب الجفري «الإسلاميين والصوفيين في العالم كافة بكثرة الذكر، وإحياء القرآن والسنة، وإنتاج جيل رائد في السياسة والاقتصاد والدعوة والتربية والتجارة والقانون؛ ليعيد للأمة نهضتها»، موضحًا أن الإسلام لا ينسحب على ساحة واحدة من الساحات، ولا يقتصر على السياسة وحدها، ولا على الذكر وحده؛ حيث إن الحكام الذين أراقوا دماء الإنسانية في سوريا واليمن وليبيا ومصر وتونس ما فعلوا ذلك؛ إلا بغياب التزكية عنهم.
وأضاف الجعفري أن ارتقاء الروح ليس جانبًا في الإسلام، وهذا الادعاء خطأ كبير؛ حيث إن الروح أصل في الإسلام بخدمة الشرع والعقل والأمة، فمن دون التزكية لا يمكن أن تنال الفلاح؛ مصداقًا لقوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا».
ونوُقش خلال المؤتمر أكثر من 150 بحثا من كبار علماء الدين والمفكرين من أتباع المنهج الصوفي المعتدل من مصر والعالم.
وأكد يونس باجوري، ممثل وفد علماء فرنسا، أن الأمة تواجه أزمة أخلاقية وأزمات كبيرة في كل المجالات، فإما أن يبقى التصوف متغيبًا ومنعزلا، وإما أن يتدخل في ميدان الحياة اليومية؛ حيث إنه علم وعمل وذوق وفكر وذكر ويجب تفعيله بالمجتمعات، لأنه إذا لم يكن حاضرًا فستنحرف العقول والسلوكيات.
وقال الشيخ عبد الناصر الجابري، أحد علماء الشام، إننا نعيش وسط عالم يموج في الفساد والإفساد في ظل وحدة الغرب الذي حدد أهدافه وهي أمن إسرائيل وسرقة الثروات العربية عن طريق التدخل الخارجي في بعض بلداننا العربية، لتبقى إسرائيل هي الأقوى، مشيرا إلى أن الغرب نجح في نشر الفوضى الخلاقة، فإن لم ينجح في إحداث الفرقة بين الشعوب العربية، قام بالتدخل والتدمير، كما يحدث في ليبيا، مضيفا: «من ملك القدس، حكم العالم، والأجدر بعودة القدس هم أهل التصوف، الذين طلقوا الدنيا وباعوا أنفسهم لله».
وأوضح الشيخ يوسف الرفاعي، وزير الأوقاف الكويتي الأسبق، أن الصوفية ليس لها كتاب إلا كتاب الله عز وجل، ولا هادي إلا الهادي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا فقه سوى المذاهب الفقهية للأئمة الأربعة، ولا عقيدة إلا عقيدة السلف الصالح الذين يحملون هم الأمة ويشاركونها في آمالها وآلامها.
وأضاف الرفاعي: «التصوف به كثير من الشطحات ويجب تصحيحها فورا، حيث يجب أن ينفتح المنهج الصوفي، ويجلى عنه الجمود البشري على ضوء الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين».
وأوضح الرفاعي أن أعداء الأمة وخاصة الكيان الصهيوني، قلقون وخائفون بعد هذا التحول الذي صار في المنطقة، ويجب على الثورات العربية، والحكام أولا، أن تأخذ مواقع الهجوم بدلا من مواقع الدفاع؛ حتى تتمكن من تحرير المسجد الأقصى المبارك والمسجد الخليلي وفلسطين كلها، من دنس الغاصبين المخربين والاستيطان وحملات التهويد.
وعلى هامش أعمال المؤتمر، أكد شيخ الأزهر خلال لقائه وفدا من المؤتمر بمقر مكتبه بمشيخة الأزهر الشريف، على قيمة الصوفية، كونها منهجا سلوكيا لتربية النفس والرقي بها، وأنها أصعب من تربية العقول وتربية الأجسام، وأن العالم الإسلامي أحوج ما يكون إليها اليوم، أكثر من أي وقت مضى.
ودعا شيخ الأزهر إلى ضرورة الاهتمام بتحصيل العلم الشرعي وعلوم الفقه والأحكام، وإلى ضرورة الاستفادة من السلوك في الصوفية، طريقا لإصلاح المجتمع.
وانتقد شيخ الأزهر بعض الادعاءات المرفوضة من بعض التيارات ضد الصوفية، داعيا إلى تنقية الساحة الصوفية مما يشوبها مما لا يليق بها.
كما نبه الدكتور الطيب إلى رفضه، تقسيم المسلمين إلى أشراف وغير أشراف في ظل الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري والعربي، وإلى ضرورة أن يكون شيخ الطريقة الصوفية، مستوفيا شروط المربي والمرشد، وأن يتزود بالعلم قبل الوصول إلى منصب الإرشاد، مؤكدا على أهمية تقويم وتنظيم وتوجيه وترشيد الطاقات الإيمانية لدى قطاعات عريضة من الجماهير، نحو البناء والإصلاح على المنهج الرباني الروحي الأصيل؛ بدلا من الهدم والتفرق والاختلاف، وترشيد التصوف، ورد ما يشاع على الممارسات الصوفية إلى الكتاب والسنة دون إفراط أو تفريط.
وأشاد الدكتور الطيب بالتعاون المثمر بين علماء الأزهر وعلماء التصوف، في إحداث نهضة علمية سلوكية تحقق النهضة لمجتمعاتنا وكقوة فاعلة وتصحيح مسار مجتمعاتنا إلى الأفضل.
من جانبه، قال شيخ مشايخ الطرق الصوفية الشيخ عبد الهادي القصبي نيابة عن الوفود المشاركة في المؤتمر: «الأزهر الشريف يمثل القلعة المنيعة والمظلة التي تجمع مسلمي العالم تحت رايته»، مؤكدا على أن علماء التصوف حول العالم قادرون على الإسهام وبفاعلية في دعم المساعي والتوجهات نحو تحقيق الإصلاح الشامل والتنمية الحقيقية في جميع القطاعات المجتمعية.