فقد السيد محسن علوي السقاف

المصدر: صحيفة الندوة - د. علي السقاف

رغم توعك الوالد بجدة الا انه لم يتأخر عن العادة التي سنها لعائلتنا منذ نصف قرن في قضاء عيد الفطر بالمدينة ولم يكن احدنا يتصور انها ستكون رحلته الاخيرة للمدينة المنورة.
وقد تمكن رحمه الله من حضور الركعات الاربع الاخيرة من ختم القرآن بمشقة كبيرة منعته من حضور صلاة العيد ولما احس بدنو اجله بعد اذان الظهر ليوم العيد سالنا عن الساعة ثم طلب الوضوء وبعده طلب توجيه كرسيه المتحرك جهة القبلة وشرع في الصلاة ففاضت روحه اثنائها ودفن بالبقيع.

لقد كان والدي رحمه الله من الرجال القلائل الذين سخرهم الله لمنفعة الناس فكان طوال عمره الذي امتد تسعين سنة يعتني باسرته وذوي رحمه ولا يتأخر عن اعانة مكروب او مساعدة فقير او علاج مريض وكان ينفق النفقات الكبيرة على الفقراء والمساكين ولا يبخل بجاهه ولا بجهده في اعانة ذوي المطالب والحاجات بل ويكلف نفسه فوق طاقتها في متابعة معاملات الناس وانجازها ويعمل كل ذلك في صمت وسرية.
ورغم حالته المادية المتوسطه إلا ان الله وفقه اضافة لما سبق لبناء مسجد ومستوصف خيري عام به الكثير من الاجهزة والادوات وغرفة للعمليات وجهاز تفتيت الحصوات وتحمل تكلفة تشغيل المستوصف الباهظه وجعل خدماته مجانية وهي مستمرة منذ اكثر من احدى عشرة سنة كما اسس على نفقته الخاصة مستشفى خيري بتريم لكن امكانياته لم تمكنه من تشغيله فبقي يحلم بافتتاحه ولكن الامكانيات لم تسعفه والاجل لم يمهله لتحقيق حلمه.
وقد تلقى والدي علوم الدين واللغة العربية بالكتاتيب وبدأ حياته العملية مبكرا وتزوج وهو ابن سبع عشرة سنة وانطلق بعدها وراء لقمة العيش في معاناة مريرة ومشقة عظيمة وواجه خلال مشوار حياته المصاعب والاهوال فصهرته وصنعت منه رجلا متدينا صلبا وكريما حازما وحكيما.
وعندما حقق بعض العوائد الماديه المتوسطه استغلها في ماذكرناه من صنوف البر والخير وهو يجد لذة عظيمة في الانفاق على الفقراء والمساكين ومساعدة الارامل والايتام ويبذل في ذلك المال الكثير بينما نراه لم يغير شيئا من اثاث بيته خلال اربعين سنة الا ما قضت الضرورة القصوى بتغييره ويركب سيارة قديمة تعطل مكيفها في رحلة المدينة الاخيرة.
ووالدي اديب بطبعه يقول الشعر ويتذوق الادب وله الكثير من النوادر مع اصدقائه وجلسائه وكان حتى في ايامه الاخيرة يتبسم للتعليق الطريف كما ان له ذاكرة قوية تختزن الكثير من الاحداث والقصص وابيات الشعر ونوادر الادب
رحم الله والدي واسكنه فسيح جناته وفي الختام اتذكر ابيات من مرثية الخليفة عمر بن عبدالعزيز
يالهف نفسي ولهف الواجدين معي
على النجوم التي تغتالها الحفر
ثلاثة مارأت عين لهم شبها
يضم اعظمهم في المسجد المدر
فانت تتبعهم لم تأل مجتهدا
سقيا لها سننا بالحق تقتفر