اليمن بحاجة لإنقاذ

المصدر: المجلة / سقاف عمر السقاف

عندما تكون الظروف الداخلية غير مهيأة لحل الأزمة، فإنه لا مناص من اللجوء إلى طرف خارجي نزيه ومحايد ليتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، التدخل الخارجي كضرورة لحل أزمة التمرد في صعدة

من المعروف أن التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية لأي بلد غالباً ما يكون نتيجة لعوامل ضعف داخلية، فالدول عندما تعجز عن حلّ مشاكلها الداخلية فإن ذلك يستدعي بالضرورة تدخل قوى وأطرافاً إقليمية ودولية، بغض النظر عن طبيعة هذا التدخل ودوافع كل طرف ونواياه الحقيقية منه.

والواقع أن اليمن في هذه المرحلة يعاني من أزمات مركبة وحادة على الأصعدة كافة، السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، ولكن أبرز تلك الأزمات هي تلك الحرب الضروس الدائرة في شمال البلاد وتحديداً في محافظة صعدة بين الجيش والمتمردين الحوثيين.

فهذه الحرب التي اندلعت في عام 2004 ما زالت مستمرة، وإن توقفت مؤقتاً في فترات مختلفة، والآن ها هي الحرب السادسة يشتد أوتارها وتتسع أبعادها وتتعدد أطرافها ويزداد ضحاياها من المدنيين والعسكريين، ورغم ذلك لا يوجد في الأُفق بوادر لحل الأزمة داخلياً، سواء لجهة الحسم العسكري أو لجهة الحل السياسي.

ومع تفهمنا لهواجس الحكومة ومخاوفها حيال الوساطة الخارجية، لكن الأمور في اليمن تبدو معقدة بالفعل إلى درجة أنها تحتاج إلى تدخل خارجي، وليس العكس، بحيث يساعد على حل الوضع المتأزم في البلد، كما حدث مثلاً في لبنان من خلال اتفاق الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين. وفي اعتقادي أن التدخل الخارجي من قبل طرف نزيه ومحايد وليست لديه أجندة سياسية خاصة ليقوم بدور الوسيط ويقرب وجهات النظر بين أطراف النزاع، ويساعد على إيجاد أرضية ملائمة يمكن البناء عليها لوضع حل نهائي وشامل لهذه حرب الكارثية، هو أمر ضروري لعدة أسباب أهمها:

أن حل أزمة صعدة داخلياً ومن دون الاستعانة بطرف خارجي يتطلب وجود حدٍّ أدنى من الاستقرار والتوافق بين القوى والأحزاب السياسية والفاعلين الآخرين، وهذا ما لا يتوفر حالياً في اليمن. فالأزمات السياسية والأمنية، سواء في صعدة أو في الجنوب أو تعاظم خطر تنظيم القاعدة، كلها قضايا وتحديات عليها خلاف كبير وتباين شديد في الرؤى بين القوى السياسية المختلفة، وتحديداً بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسية المنضمة في إطار تكتل "اللقاء المشترك".

فشلت في السابق جميع جهود الوساطة التي قامت بها أطراف ولجان سياسية وقبلية وشخصيات اجتماعية ودينية بارزة، وذلك منذ اندلاع الحرب في عام 2004 في وقف القتال في صعدة. كما فشلت خطوات حكومية أخرى لتهدئة الوضع هناك، ومنها مبادرة الحكومة في أيلول/ سبتمبر 2005 بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين لقيام الثورة، وفيها أعلن الرئيس علي عبدالله صالح عن دفع تعويضات لأسرة حميدالدين الذين حكموا شمال اليمن حتى قيام الثورة في العام 1962، كما فشلت تدابير وإجراءات أخرى لوقف الحرب من طرف واحد مثلما حدث في العام الماضي عندما أعلن الرئيس صالح انتهاء الحرب ووقفها نهائياً.

رغم إخفاق الوساطة القطرية، بالنتيجة، في إنهاء حرب صعدة إلا أنها أثبتت أنه في حال تدخل طرف حسن النوايا وليس لديه أي مصالح أو أهداف خاصة فإنه يمكن أن يساهم في حل الأزمة وإنهائها. فالمقاربة القطرية لحل أزمة صعدة كانت الأكثر موضوعية وواقعية، وكادت أن تنجح لولا أنها أغفلت مسائل تتعلق بتوفير آلية متابعة فاعلة لمراقبة وتنفيذ بنود اتفاق الدوحة بين المتمردين والدولة. كما أن هناك أطرافاً خارجية دخلت على الخط وعملت على إفشال هذه الوساطة.

طرفا النزاع بحاجة ماسة إلى وساطة خارجية، فكلاهما غير قادر على حسم المعركة لصالحه، وكلاهما يتكبد خسائر بشرية ومادية ومعنوية هائلة، وبالتالي فإن الطرفين بحاجة إلى وسيط خارجي لحل الأزمة حتى وإن أبديا عكس ذلك.

والحقيقة أن اليمن كما هو بحاجة اليوم إلى جهود ونوايا حقيقية ومخلصة داخلياً للخروج من أزمة صعدة بسلام، فإنه كذلك يحتاج إلى مساعدة من طرف أو أطراف خارجية، إقليمية أو دولية، خصوصاً أن الحل داخلياً بات مستعصياً كما أوضحنا سابقاً، ولكن يجب التعامل مع أي دور أو تدخل خارجي بحذر، ويجب التأكد دوماً من نوايا أصحاب الوساطة أو المبادرة المطروحة. فأي طرف يدخل على خط الوساطة في أزمة صعدة يجب أن يكون ذو مصداقية وينشد الحل ومساعدة اليمن على تجاوز أزمته بالدرجة الأولى.

ومع استبعادنا استئناف الوساطة القطرية على الأقل في المرحلة الراهنة، فإن هناك قوى أو أطراف إقليمية يمكنها لعب هذا الدور في اليمن مثل مصر أو تركيا. فكلا الدولتين في حال أبدتا استعدادهما للتدخل في حل أزمة صعدة ستلقيان في اعتقادي قبولاً من طرفيّ النزاع، كما أن الدولتين لديهما مقومات مهمة لأداء مثل هذا الدور. فمصر بحكم علاقتها السياسية والتاريخية باليمن يمكن أن تقوم بالمهمة بنجاح. كما أن مصر تريد أن تستعيد دورها السياسي ومكانتها الإقليمية في المنطقة بعد أن شهد هذا الدور بعض التراجع في العقود الماضية، وتركيا بدورها متحفزة أيضاً وماضية في سياسة "إعادة التموضع" باتجاه المشرق العربي، وهي تبحث عن أدوار سياسية وإقليمية محورية في المنطقة.

وهنا أعتقد أن تدخل أياً من الدولتين لحل أزمة صعدة سيحقق لها بعضاً مما تطمح إليه، وفي نفس الوقت هناك حظوظ كبيرة لنجاحها في انتشال اليمن من مأزقها وإنهاء الحرب الطويلة في صعدة.

وفي التحليل النهائي، نستطيع القول بأن اليمن في حال عجزت عن حل أزماتها ومشاكلها الداخلية المتفاقمة، وفي حال نأت القوى الإقليمية والدولية عن التدخل الإيجابي ومد يد العون لها، فإن اليمن لا شك سوف يتحوّل إلى دولة فاشلة أو ربما ينهار كلياً، وعندها لن تتوقف الآثار السلبية لذلك الانهيار عند الحدود اليمنية وإنما سوف تتجاوزها إلى تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي برمّته.