الأديب والمؤرخ العلامة صالح بن علي الحامد

المصدر: موقع 14 أكتوبر

ولد الأديب صالح بن علي الحامد في مدينة سيئون عام 1903م من أم اندونيسية الميلاد، حضرمية الأصل، وأبوه هو الثري المحسن المعروف علي بن صالح الحامد فقد تزوج في (سوروبايا) من إحدى بنات عشيرته وأنجبت له هناك من البنات ثلاثا، ولم يمكث أبوه هناك غير فترة قصيرة عاد بعدها إلى مدينة سيئون وبعد سنة تقريباً أنجبت له الزوجة الاندونيسية الحضرمية أبناً أسماه (صالحا) تيمناً باسم أبيه، واستمرت أمه في الإنجاب حتى صار لديه من الأخوة الذكور ثلاثة وهم: عبد القادر، سالم ومحسن ومن الإناث خمس أما أخوانه من الأب فهم متعددون حيث كان رحمه الله ـ مزواجاً وقد يتزوج من أرملة ينتشلها من حياة الفقر والفاقة .. وقد ترعرع وتربى أديبنا في أحضان أبيه بمدينة سيئون وعندما رأى الأب في أبنه سمات النبوغ، زاده حباً وحناناً وعناية ولقد رعاه خير رعاية وكان خير عون له، حيث فتح له أبواب المعرفة وأمده بكل ما يشبع رغباته من الكتب المطبوعة بالطباعة المصرية والنادرة الوجود في ذلك الحين حتى تفجرت مواهبه وتوسعت مداركه، فقد تلقى دراسته الأولية في معهد الأستاذ الكبير (محمد بن هادي السقاف) ولقد أطلق عيه شيخه (ابن هادي) لقب (سيبويه الزاوية) لأنه كان جواداً سباقاً وخاصة في علم القواعد وكانت وفاته عام 1967م حيث لم يتجاوز عقده السابع أي في الثالثة والستين من عمره الزاخر بالعطاءات.


تزوج الحامد في التاسعة عشره من عمره، وكانت الزوجة الأولى من أسرة (آل مولى الدويلة) وانجبت له ولدا وبنتين وسافر إلى (سنغافورا) وتزوج هناك الزوجة الثانية من عائلة (آل العيدروس) وأنجبت له بنتاً ـ لا تزال موجودة وربة أسرة كبيرة ـ وعاد إلى حضرموت وتزوج الزوجة الثالثة من أسرة (آل علي بن عبدالله) وقد أنجبت له من البنين خمسة وهم (علي ومحمد وأبوبكر وحسين وغالب وبنتاً واحدة) وقبل إنجابها هذه المجموعة من البنين والبنات، فقد تزوج خفية من فتاة في السادسة عشرة من عمرها، وهي من أسرة (آل باحميد) وهام بها وهامت به، ولكن لم تدم عشرتهم طويلاً حيث اختطفتها يد (المنون) وهي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها القصير ودليلاً واضحاً على حبه لتلك الزوجة ديوانه (ليالي المصيف) والذي أهداه لها قائلاً : (إلى تلك الروح الخالدة الدارجة إلى عالم الخلود، أهدي ديواني هذا) ـ ويكفينا دليلاً على حزنه العميق على تلك الفتاة، قوله في إحدى مراثيه لها:

قالوا جننت أسى، فقلت رويدكم فالخطب أفدح والخسارة أعظم
وتزوج الحامد بعد ذلك الزواج الأخير، وأنجبت له هذه الزوجة بنتين.

الحامد والهجرة
لقد تعود "الحامد" على الهجرة منذ نعومة أظفاره وكانت هجرته الأولى في نهاية عقده الثاني وبالتحديد عام 1923م حيث سافر برفقة أبيه إلى (سنغافورا)وعاد إلى (حضرموت) وبقي يتردد على (سنغافورا) وكانت آخر رحلة له إلى تلك الربوع عام 1954م ولقد طاف وجال في جزائر الشرق الأقصى و"اندونيسيا" حيث كانت مصدر وحيه وإلهامه، ولكم تغنى بجمال طبيعتها في كثير من أشعاره، وله فيها كتاب مخطوط اسماه (رحلتي إلى ربوع اندونيسيا) شرح فيه حياة اليمنيين هناك، حيث كان لهم الفضل في نشر العلم والثقافة، إذ لا يختلف اثنان على ذلك. أما (سنغافورا) فقد اعتبرها وطناً ثانياً له، حيث تزوج فيها كما ذكرنا وله فيها صولات وجولات، وكان كثير العطاء في ذلك الحين،إذ لا تخلو مجلة أو صحيفة من عطائه ومشاركته الفعالة سواء أكان شعراً أو نثراً، أي في كل المجالات وعلى كل الأصعدة من الشعر والبحث والنقد والمقالة، حتى أغنى الصحافة العربية في (اندونيسيا) وسال قلمه وانتشرت كتاباته في عالم الفكر والأدب حتى وصلت(مصر العربية) حيث شارك في أمهات صحفها كمجلة(الرسالة) و(السيارة) و(أبو للو) و(المقتطف) و(السياسة) وغيرها من الصحف في ذلك الوقت،ولقد طلبت هيئة تحرير(أبوللو) صورته ولبى طلبها وصورته موجودة في صدر المجلة التي تصان في (مكتبة الاحقاف) بمدينة تريم ومن زملائه على صفحات الصحافة حينئذ صديقه الأستاذ(علي أحمد باكثير) و(الشابي) و(صالح جودت) و(أحمد رامي) وهو الذي قدم ديوانه الأول(نسمات الربيع) وغيرهم من نجوم الأدب،ولقد طلب منه الأستاذ/ علي أحمد باكثير زيارة مصر ولم يتوان أو يتردد في تلبية طلبة،وهاجر من(سنغافورا) إلى(مصر) عام 1954م وكان في استقباله الأستاذ(باكثير) والأستاذ(علي باعبود) والذي كان مشرفاً على طباعة ديوانه الأول(نسمات الربيع) ولقد أقيمت حفلة استقبال كبيرة دعا إليها(باكثير وباعبود) ولقد كانت هذه الرحلة مطبوعة في ذهنه طوال حياته.

وفي اليوم السادس من شهر ربيع الأول من عام 1387هـ الموافق للرابع عشر من يونيو عام 1967م وعلى إثر جلطة دماغية أصابته وهو يتأهب لصلاة العصر في أتم صحة وعافية انتقلت روحه إلى جوار ربه بعد رحله طويلة من التعلم والتعليم والقراءة والتأليف والعبادة والتذكير،فودعت سيؤن فقيدها بألم وحسرة كبيرين،وفي القاهرة احتضنت النيل نسمات الربيع ليحتفظ بشئ من ذكراه،أما في أندونيسيا بلاد الطبيعة الساحرة والجمال الأخاذ فقد ودعته جبالها في شموخ ممتزج بالحزن توارى مع غياب شمس ذلك اليوم الحزين،وكأنها تردد أبياته التي يقول فيها:

سوف تبقى ذكرى الشباب متى شئت وذكــــرى الحيــــــاة بعـــــد حمــامــي
وإذا مــا سمــــوت في عالـــم الـــروح ستبقــــى في عــــالـــــــــم الأجســــــــــام