خيرية السقاف

المصدر: المجلة الثفافية - عبدالعزيز السبيّل

أربعة عقود من الإنجاز الأكاديمي والإبداعي والإداري والصحفي، ولا يزال العطاء متواصلاً، حين الحديث عن خيرية السقاف، يشعر المرء أنه أمام شخصيات متعددة، شاء الله أن تجتمع في فرد. ترتبط خيرية السقاف بالإنجاز في مرحلة مبكرة في حياتها. وإذا كنا نؤرخ لتعليم المرأة في الستينات، فإنها هي المرحلة التي بدأت المحتفى بها تخطو خطواتها نحو العطاء، من خلال الصحافة، وهي لا تزال بعد في العقد الثاني من عمرها الزمني، ولذا فقد سجلت ريادة صحفية، أخذت أبعاداً متعددة، من الكتابة، إلى الإشراف، والمسؤوليات التحريرية والإدارية، وبعد عقد ونصف من العمل الصحفي، تسنمت موقع (مديرة تحرير جريدة الرياض). وهذه ريادة تتعدى حدود المحلية، إلى مستوى الجزيرة العربية، بأوطانها السبعة.

وحين النظر إلى الجانب الإداري والمساهمة فيه، فإن النَفَسَ يقصر عن المتابعة. فالعمل الإداري في مواقع مختلفة في جامعة الملك سعود، أوصلها بجدارة واستحقاق إلى قمة الهرم الإداري النسائي في الجامعة، الممثل في موقع عميدة مركز الدراسات الجامعية للبنات (1410 1417هـ). ويتواصل الجهد من خلال اللجان الإدارية داخل الجامعة وخارجها.


وإذا كانت خيرية السقاف علماً نسائياً متميزاً، فإنها صوت إبداعي تعدى الحدود الجغرافية العربية، إلى ثقافات عالمية أخرى، وهو وصول أتى عبر الارتباط المتجذر بعبق المكان، ورائحة الخصوصية المحلية، من خلال إبداعها في مجال القصة القصيرة، وقد عبرت عن تجربتها الكتابية، وارتباطها بالأرض بقولها (إن كلماتي جسر بين التراب والورق). وهي رائدة في تناولها، بجرأة لم تكن مألوفة، عالم المرأة في الإطار المحلي، فصورت واقعها، ودخلت إلى عالم كان ينظر إليه البعض على أنه (تابو) اجتماعي، لا يمكن الاقتراب منه.
مجموعتها القصصية (أن تبحر نحو الأبعاد) (1982)، حوت 18 قصة تناولت جوانب حياتية واجتماعية مختلفة، وكان للمرأة حضور قوي في ثنايا الكتاب، فقد أخذت خيرية السقاف بيد الرجل وأدخلته إلى عالم النساء في السجن وخارجه، ليعرف كيف كانت جنايته، وجناة المجتمع عليها. وكتبت قصصاً أخرى، خلال رحلتها الإبداعية، ولست أدري سبب إحجامها عن نشر مجموعتها الثانية، وهي تملك الكثير من النصوص المتميزة.
ومن خلال إبداعها دخلت خيرية السقاف، إلى ثقافات أخرى، ومن أجل الإيجاز، يمكن التركيز على ترجمة إبداعها إلى اللغة الإنجليزية.


ثلاثة كتب صدرت بالإنجليزية تهتم بالإبداع المحلي، جميعها حرصت أن يكون لإنتاج خيرية السقاف حيز فيها.
أول هذه الكتب:

The Literature of Modern Arabia: An Anthology

مختارات من أدب الجزيرة العربية الحديثة. الذي صدر عام 1988، بدعم من جامعة الملك سعود بالرياض، وحررته سلمى الخضراء الجيوسي. وقد جمع الكتاب بين الإبداع الشعري والقصصي، وفيه نشرت ترجمة لقصتها (قطعة الفحم وقطعة النقود)، ويأتي اختيار هذه القصة، لأنها تمنح القارىء صورة لواقع الحياة الاجتماعية في زمن المعاناة والفاقة.
أما الكتاب الثاني فهو:


Assassination Of Light: Modern Saudi Short Stories


اغتيال الضوء: قصص قصيرة سعودية حديثة، جمع وتحرير آفاهينريتشسدورف وأبوبكر باقادر، وصدر سنة 1990. ويمثل أول قصص محلية تنشر بالإنجليزية في كتاب مستقل. حوى الكتاب ست عشرة قصة قصيرة، ثلاث منها فقط كتبتها نساء، إحداها قصة (اغتيال الضوء عند مجرى النهر)، لخيرية السقاف. وقد اختير الجزء الأول من عنوان القصة؛ ليكون عنواناً للكتاب.


الكتاب الثالث حمل عنوان:

Voices Of Change: Short Stories By Saudi Arabian Women Writers


أصوات التغيير: قصص قصيرة لكاتبات سعوديات، ترجمها وحررها أبوبكر باقادر وآفا هينريتشسدورف ودابرا إيكرز، 1998. وهو أول كتاب بالإنجليزية يخصص كامله للإبداع النسائي في المملكة، اشتمل الكتاب على ست وعشرين قصة، كتبتها ست عشرة مبدعة سعودية. ترجمت في الكتاب قصتان لخيرية السقاف هما (الفقد) و(الانعكاس). وكلتاهما تصوران معاناة المرأة، التي تقع ضحية الرجل المتسلط.
وتناولت كتب أخرى خارج الحدود بعض إنتاجها باعتباره يمثل صوتاً نسائياً له حضوره في الساحة، ويعكس واقعاً ثقافياً واجتماعياً، يمثل جزءاً من المجتمع العربي رغم خصوصيته المحلية.
ولعل الذين اطلعوا على كتابها الأخير (عندما تهب الريح.. يعصف المطر)، أدركوا عمق التجربة الحياتية لديها، من خلال رسمها بالحرف والحكمة مفهوم الصداقة، بجمل أدبية ذات إيقاع، ونغم، وعمق دلالي، ومن ذلك قولها (حين تستقل مركبة الصداقة، لا تحتاج إلى بوصلة). لكن القارىء بحاجة إلى بوصلة الرؤية والإبداع، التي تمتلكها بتميز خيرية السقاف.


أجزم أن القارئ سيظل متطلعاً (لما هو آت)، من إنتاج أدبي وإبداع قصصي، وكثير منه موجود، يتمنى أن يتم الإفراج عنه ليصل إلى القراء. فهل ستمنح خيرية السقاف الحرية لهذا الإنتاج، وهي المؤمنة بالحرية المسؤولة للكلمة المبدعة؟