تقرير عن دار المصطفى في قناة الجزيرة

موقع الجزيرة نت

تكثر المدارس الدينية في اليمن على اختلاف توجهاتها ومناهجها، قيل إن
العديد من تلك المدارس أنشئ دون الحصول على التراخيص اللازمة، وقيل إن
بعضها ارتبط بمصادر تمويل خارجي الأمر الذي أملى عليها سياسات وطروحات
معينة. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أقدمت السلطات اليمنية على مراجعة
الأوضاع وإغلاق العديد من تلك المدارس حتى أنها استخدمت القوة في بعض
الحالات لتنفيذ أوامرها، من أكثر المدارس الدينية في اليمن إثارة للجدل
كلية دار المصطفى للدراسات الإسلامية في مدينة تريم في محافظة حضرموت
التي لازالت تستقبل وتودع أفواجاً من الدارسين حتى أولئك القادمين من
الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية، وتقوم السلطات اليمنية بين
الحين والآخر بالتدقيق في عمل هذه الكلية ومراقبة مناهجها ومدى انضباط
القائمين عليها فيما يتعلق بقوانين استقدام الوافدين العرب والأجانب
الدارسين فيها، إضافة إلى سياسات التعليم. التقرير التالي أعده أنور
العنسي.

تقرير/ أنور العنسي: من كل أصقاع الأرض جاءوا يمموا وجوههم شطر هذا
المكان.. دار المصطفى الجامع والجامعة الحاضرة في أكثر حواضر اليمن
إشعاعاً بألق الحكمة والمعرفة، مدينة تريم ذات الثلاثمائة وستين مسجداً
وعشرات المدارس والأربطة الدينية، كثيرون يرون في دار المصطفى أنموذجاً
رائداً لمؤسسات التعليم الديني في اليمن لتميزها كما يقولون بوسطية
مناهجها وتركيزها على حسن تأديب طلابها وإقران الغايات المتوخاة من
إقامتها بالسلوك الصالح والقدوة الحسنة لدى طلابها.

الحبيب عمر بن حفيظ (مؤسس كلية دار المصطفى للدراسات الإسلامية): تجمل
هذه الغايات في ثلاثة من المقاصد أُقيمُ الدار من أجلها وهي: حفظ العلم
الشرعي وتحصيله والتمكن فيه عن طريق أخذه عن الأكفاء بالسند المتصل إلى
أئمة الدين المنتهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وصحبه وسلم.

الهدف الثاني: قرن هذا العلم بالعمل والتزكية والتربية وتقويم الخلق الذي
افتقده المسلمون في كثير من نواحي حياتهم وشؤونهم وقد قال قائلهم:

لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاق

وقد قال صلى الله عليه وسلم: ""إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"".

الثالث: نشر هذا العلم والخلق الكريم والدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- بهذا المنهج.

أنور العنسي: مع هذا فإن آخرين يعتقدون أن مناهج التعليم الديني في هذه
الدار أو غيرها غير كافية لإعداد جيل مؤهل ومسلح بمتطلبات العصر وشروط
التطور، بل ويذهبون إلى اعتبارها دعوة إلى الطائفية والانعزال.

عبد الباري طاهر (مفكر وباحث يمني): كان التعليم في اليمن وبخاصة التعليم
الديني سُيِّس وأصبح منفلت وموظف ضد برامج الحياة، ضد التحديث، ضد
التنمية، وضد بناء دولة عصرية حديثة، من أواخر.. من أواخر السبعينات..
الثمانينات نشأت مئات المعاهد الدينية التي تخرج فقط متخصصين في الشأن
الديني، وللأسف الشديد هؤلاء الطلاب يحصلون على مستوى من التعليم الديني
بعيداً عن الحياة وعن خطط التنمية وعن البرامج وأصبحت هناك معاهد بلا
حدود، ومعاهد تدرس يعني.. يعني طرائق للدين ذات طبيعة طائفية، يعني
خاصة.. يعني مدارس خاصة لحضرموت، خاصة بالمناطق معينة، مذاهب تدرس السنة
والحديث وكذا، في صعدة طريقة مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله، فأصبحت
هذه المدارس تدرس مذاهب دينية ولا تدرس مذهب ديني واحد، كما كان موجود في
اليمن في مرحلة من المراحل، هذه المذاهب تخرج مئات الآلاف وآلاف مؤلفة
وكلهم لا يجدون عمل ولا يجدون وظيفة ولا يجدون ارتباط بالهم العام للحياة
في اليمن، ويجدوا الناس يقتتلون في المساجد على من يمسك الميكروفون.

أنور العنسي: قدر كبير من شهرة دار المصطفى يرجعه البعض إلى حيوية مؤسسها
الحبيب عمر بن حفيظ، الذي تعرض مع عائلته لمضايقات كثيرة إبان سنوات
الحكم اليساري الاشتراكي في جنوب اليمن قبل الوحدة، الأمر الذي كان سبباً
في تأجيل حلمه في بناء هذه المدرسة، لكن آخرين يعتبرون أن دور هذه
المدرسة بل ومعظم المعاهد والمدارس الدينية انتهى منذ زمن بزوال حكم
الحزب الاشتراكي لجنوب اليمن وانحسار مد التيارات اليسارية والقومية التي
شكلت قبل أكثر من عقدين من الزمن تقريباً تهديداً لقوى سياسية واجتماعية
محلية وإقليمية كانت في رأي البعض قد تمترست وراء معاهد التعليم الديني
للدفاع عن مصالحها وللتشبث بثقافة وقيم تقليدية محافظة، بل ومتزمتة
أحياناً.

صادق ناشر (محل سياسي يمني): كان الخطاب الديني لازماً في معركة من
المعارك التي كانت تدور رحاها بين نظامين أيديولوجيين مختلفين الأول في
الجنوب الذي كان يمثله الحزب الاشتراكي اليمني والثاني في الشمال الذي
كان يمثله عدد يعني أو خليط من التركيبات القبلية والمشائخية والعسكرية،
ولهذا كانت الظروف تستدعي إقامة عدد من المعاهد الدينية لمواجهة خطر ما
أُسمي بخطر المد الماركسي الشيوعي القادم من الجنوب وشهدت المناطق الوسطى
وعدد من المناطق القريبة من الجنوب إنشاء عدد كبير من المعاهد الدينية
وتخرج منها العديد من الواعظين و.. والخطباء وكان الهدف الرئيسي لهذه
القضية هو كيفية مواجهة هذا الخطر القادم، بعد الوحدة وبعد يعني عودة
الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام لقيادة اليمن كيمن موحد انتفت
الحاجة إلى هذه المعاهد وللأسف لكن هذه المعاهد تحولت فيما بعد إلى..
تحولت إلى قاعدة خلفية للتدريس يعني أفكار تكاد تكون أفكار متطرفة.

أنور العنسي: هذه الدار تبدو المؤسسة التربوية الأكثر تنظيماً واعتدالاً
بمنهجها الجامع وفق ما يراه مراقبون هنا، إلا أن هذا بدوره جعلها على ما
يبدو مثار جدل واسع يتعلق بحقيقة أهدافها وبطبيعة مناهجها.

الحبيب عمر بن حفيظ: كانت التجربة من حيث طرح شؤون التعليم مقرونة بالعمل
وتنقية القلب والفكر عن الأغراض والمطامع التي بها يتصارع الناس وبها
تقوم الخلافات والنزاعات الكثيرة وأكثر مرجعها إلى ضعف في النظر في حقيقة
الشريعة وضعف في الاتصال بالتربية التي خلَّفها رسول الإسلام -صلى الله
عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله.

أنور العنسي: ربما كان إقبال العديد من الطلاب العرب والأجانب على
الالتحاق بكلية دار المصطفى هو أكثر الأمور إثارة للشكوك بإمكان تحولها
إلى تجمع لطلاب ينتمون إلى جماعات إسلامية متطرفة لا يستبعد أن يخترق
جمعهم من قبل عملاء لشبكات استخبارات دولية، ولعل ذلك كان دافعاً لشخصيات
يمنية وإسلامية عالمية رفيعة المستوى حرصت على زيارة الدار لتفقد أحوال
طلابها والاطمئنان على سلامة مناهجها والنأي بها عن كل محاولات الاختراق
السياسي أو الاستخباري.

علي عبد الله صالح (الرئيس اليمني): نحن نقبل كل من يأتينا من أي دولة
شقيقة أو صديقة بلد إسلامي أو بلد صديق ولكن على أسس وعلى طرق مشروعة عبر
السفارات، تكون بلده راضية عنه، ألا يسبب لنا إشكال في علاقاتنا مع
الآخرين.

أنور العنسي: مسؤولو دار المصطفى ما لبثوا يؤكدون إزاء ذلك على قانونية
الإجراءات المتبعة لالتحاق الطلاب بها وبمشروعية إقامتهم في البلاد. ووسط
هذه المخاوف والأجواء فإن طلبة علم غربيين وآسيويين وأفارقة ممن يتزودون
بعلوم كلية دار المصطفى ويهيئون أنفسهم للانطلاق إلى تبليغ رسالة الإسلام
لا يخفون قلقهم من مصاعب قد تقف أمام طموحهم لنشر الدعوة، وتبليغ رسالة
الإسلام على حد قولهم.

طالب أميركي: الله -سبحانه وتعالى- يعني وعد نبيه -صلى الله عليه وسلم-
بأن دينه لم.. لم يكون يعني بيت في البيوت يعني في الدنيا إلا وداخل فيه
يعني دين النبي -صلى الله عليه وسلم- فيعني ما هو قضية رأي ورأي فلان
يعني نحن.. نحن علينا وعد من الله -تبارك وتعالى- بأن الإسلام سينشر
يعني.. يعني خلال العالم، فإما يعني باقياً يعني الذين أيدينا .. الناس
الذين الله -تبارك وتعالى- سيجري هذا الخير العظيم على أيديهم فيعني
فعلاً الذين تراه.. نراه الآن حتى في الدول الغربية الأكثر انتشاراً يعني
من جميع الأديان هو دين الإسلام، وكثير من الشباب خاصة في أميركا فضلاً
عن بقية الدول الأخرى يعني يسلمون يعني بشكل يعني سريع.

أنور العنسي: مسؤولو وطلبة دار المصطفى يشددون في التأكيد لضيوفهم على أن
دعوتهم خالصة لوجه الله ولخدمة الدين الإسلامي وأنها خالية من أي تعصب
مذهبي أو هوى سياسي، كما أنها بعيدة كذلك عن أي تحريض على العنف أو ما
يسمى بالإرهاب.

أنس (طالب سوري): الذي تعلمناه من مشايخنا وعرفناه أنه ما.. ما نخوض في
السياسة أولاً، ثانياً: نحن الذي نتعلمه أن نعلم الناس رسالة سيدنا محمد
-صلى الله عليه وسلم- و رسالته لا.. لا حرب، .... وسلام، وإذا يأتيك..
يأتيك العدو، يعني مثلاً يأتيك شخص يضربك سامحه، ويأتيك الشخص يسبك أنت،
لأ أنت تقاتل في وقت القتال، نعم إذا جاء حقوق الله -سبحانه وتعالى- يعرف
عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان.. ما كان يقف لغضب الله أحد أمامه.

أنور العنسي: دار المصطفى لا توفر لطلابها فرصا للدارسة وتحصيل المعارف
فحسب، لكنها تؤمن لهم كذلك العيش والإقامة ضمن بيئة خاصة تساعد أجواؤها
وتقاليدها وأنماط السلوك السائدة فيها على ترسيخ ما تلقاه هؤلاء الطلاب
من معارف وعلوم وآداب.

طالب يمني: نعيش في جو روحاني، جو مليان بالروحانية وبالعلم، وبعيد عن
الذي .. ما يكدر صفو الإنسان، وما يكدر خاطره، وما يشغله عن.. عن حقيقة
تلقي العلم وحقيقة اجتذاب أهل.. لاجتذاب أهل الصلاح.

أنور العنسي: علاوة على ذلك فإن بعض الدارسين هنا يرى أن حضرموت تبدو من
أكثر البيئات الثقافية ملائمة لدارس علوم الدين من العرب والأجانب بالنظر
إلى تسامحها الاجتماعي ولما يتمتع به فقهاؤها من خبرة مشهود لها في
الوصول بالخطاب الديني إلى أذهان المتلقين لعلوم الدين من غير العرب
بأسلوب ميسر واضح ومؤثر.

الشيخ هاشم الحبشي (جمعية علماء اليمن): أهل حضرموت وأهل اليمن يشكل عام
قد نشروا الإسلام في شرق آسيا، وهذا معلوم لدى الجميع ولا ينكره التاريخ،
ولا.. ولم ينشروا هذا.. ولم ينشروا الإسلام إلا بطريقة التسامح وطريقة
الأخلاق الفاضلة والحرص على حب الآخرين. النبي -صلى الله عليه وسلم-
يقول: لا يكون المؤمن مؤمن حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه"" فهؤلاء أحبوا
لإخوانهم ما يحبونه لأنفسهم فبهذا انتشر الإسلام وعلى هذا النهج يمشي دار
المصطفى كما لمسناه وعرفناه، ونحن على قرب منه ونبارك خطواته أولاً بأول
مثل (رباط تريم) وغير هذه، هذه المواقع نتلمسها ونبارك خطواتها.

أنور العنسي: مصادر الدار لا تخفي قبولها تبرعات من محسنين وجمعيات خيرية
لتمويل أنشتطها التعليمية، لكنها في الوقت نفسه تنفي أن يكون لذلك أي
تأثير في توجيه سياساتها ومناهجها لخدمة أي جماعة سياسية أو مذهبية أو
اجتماعية أو غيرها