لماذا لم تحظ ابكار السقاف بخمس ما حظيت به مى زيادة

جريدة الوطن العمانية - محمد القصبي

"لقد رحلت الاديبة اليمنية ابكار السقاف عن عالمنا عام 1989 مخلفة وراءها
كتباً عشرة جديرة بإعادة القراءة ودمعة مرارة في عين شقيقتها ضياء السقاف
على هذا التجاهل الذى حوصرت به ابكار في حياتها وبعد مماتها والوالد محمد
سعيد السقاف كان احد كبار السياسيين في اليمن اواخر القرن التاسع عشر
واوائل القرن العشرين، وكان كثير الترحال تزوج من فتاة تجرى في عروقها
ابجدية الجمال الشامى والتركى واللتين بأمانة شديدة من قبل الطبيعة
انتقلتا الى ابنتها ابكار وضياء

استقرت العائلة في مصر وترعرعت ابكار مع
صخب الحياة السياسية والثقافية على ضفاف النيل وانتقلت الاسرة من القاهرة
الى الاسكندرية حيث يدرس الابن ـ مصطفي السقاف ـ في فيكتوريا كولج (هو
الان اقتصادى كبير في هونج كونج) وفي الرابعة عشرة من عمرها كاد القدر
يسوق حياتها عبر مسار اخر شديد التباين وذلك حين تقدم لخطبتها الملك
(ادريس السنوسى) وكان اميراً آنذاك الا انه لأسباب لا تعلمها أبكار لم
يكتب لهذا المشروع النجاح، ولم تخف عن عائلتها سعادتها بذلك وكأنها كانت
تشعر في ذلك السن المبكرة بأن لدى القدر خطة بديلة تروق لها أكثر!
فالصبية منذ أن وعت عيناها أسرار الابجدية وهى تقرأ بنهم في السياسة
والأدب وعلوم الدين والتاريخ ومبكراً امسكت القلم لتكتب، وقد اثمرت
رحلتها مع الكتابة عشرة كتب تعد بكل المقاييس الفكرية اضافة نوعية الى
المكتبة العربية من بينها على سبيل المثال هذا السفر الضخم المعنون بـ
(نحو آفاق اوسع) والذى اصدرته عام 1945 وكانت حينذاك في الثانية
والثلاثين من عمرها وحين انتهى الكاتب الراحل احمد الصاوى محمد من قراءته
كتب عنه وعنها في صحيفة الاخبار قائلاً: ان هذه الكاتبة التي قرأت الف
كتاب وكتاب لتضع كتابها (نحو أفاق اوسع) جديرة بالبحث والتأمل جدارة
مؤلفها الضخم.

الا ان لديها كتاباً آخر ينم على مدى وعى وإدراك تلك الكاتبة لجذور
الصراع العربى الاسرائيلى وتقدم من خلاله رؤى تعوض المزاعم التاريخية
التى استندت اليها الصهيونية العالمية في تأسيس الدولة اليهودية أما
الكتاب فهو اسرائيل والارض الموعودة الذى انجزته في اواسط الستينيات من
خلال حصولها على منحة تفرغ وكانت اول امرأة تحصل على مثل هذه المنحة
لانجاز مؤلفها ومن كتبها الاخرى. الليل والقلم وهو همس مخملى ان جنسناه
فهو أقرب الى الشعر المنثور.
ـ السهر وردى
ـ الحلاج
ـ محمد النبى
همسة في أذن اسرائيل (وقد صدر باللغة الانكليزية)
وتلك المؤلفات حصيلة اطلاع واسع تفاعل مع عقلية تتميز بالخصوبة الشديدة
فأثمر هذا التفاعل رؤى جديدة أثارت حفيظة المسئولين عن الرقابة كما هو
الحال في كتابها نحو افاق اوسع الذى رفضته دور النشر لجرأة محتواه الفكرى
الا صبحى جريس صاحب مكتبة الانجلو الذى قرر خوض مغامرة نشر الكتاب حيث
صدر بالفعل الجزآن الأول والثانى أما الجزء الثالث فمازال سجين ادراج
شقيقتها ضياء مدموغاً بختم (يصرح بالنشر) حيث حصلت ابكار على موافقة
الرقابة على نشره الا ان المنية عاجلتها عام 1973 قبل ان تتمكن من نشره
ويلقى محمد عبد الواحد الضوء على المرجعية الثقافية لأبكار السقاف وذلك
خلال الجزء الاول من دراسته حول تلك الكاتبة اليمنية والتى نشرت في نشرة
المثقف العربى، عدد يناير 2001 حيث يقول: كانت تقرأ في كل شئ وبخاصة الطب
والفلك اما الاساس فكان دائما الفلسفة والكتب السماوية الثلاث وتعمقت في
دراسة التوراة ويوضح ذلك بجلاء الجزء الخاص بالدين عند العبريين من
كتابها الخطر (نحو آفاق اوسع) وبالتوازى جاء اهتمامها بتاريخ مصر القديمة
وتواريخ الصين والعراق القديمة وكانت تسير بمنهجية شديدة خلال تلك الفترة
حيث كونت ارضية حاشدة من الافكار والثقافات ثم جاءت مرحلة تالية عند
انتقالها للقاهرة والثقافات ثم جاءت مرحلة تالية عند انتقالها للقاهرة من
خلال علاقات مع الاثرى الكبير محرم كمال ووكيل الازهر الشيخ محمود ابو
العينين ثم العقاد الذين امدوها بالحوار والمراجع والاعجاب حول الكثير من
انتاجها الفكرى وكانت اجادة ابكار للغتين الانكليزية والفرنسية بالاضافة
الى العربية عوناً لها في اقتحام متون الكتب في مجالات المعرفة المختلفة
بروح مثابرة وصبورة في مواجهة مشاق البحث والتمحيص فلماذا تلقى كاتبة
بهذا الحجم في تيه قائمة المسكوت عنهم..!! أهو الجهل بحجم منجزها الفكرى؟
لا اظن فقد كانت تربطها علاقات قوية برموز الثقافة في مصر مثل علاقتها
بالعملاق عباس العقاد الذى التقت به مصادفة في مكتبة الانجلو، وكان قد
انتهى من مراجعة كتابها المثير للجدل (نحو آفاق اوسع) وسألها: انت ابكار
انت اللى كتبت هذا الكتاب؟! اجابته: نعم.. فقال: لا بس انت جميلة قوى يا
ابكار؟! ولبى سريعا دعوتها على الشاى في منزلها فلماذا لم تحظ ابكار وهذا
حجمها وتلك علاقاتها ـ بخمس ما حظيت به (كاتبة) مثل (مى زيادة) ولا
تتناسب نجوميتها مع ضآلة ما خلفت من (ابداع). أهو الجمال؟! كانت ابكار
ويبدو هذا من صورها مفرطة في جاذبيتها فلماذا خيمت عباءة العتمة على تلك
الكاتبة اليمنية العظيمة محمد عبد الواحد في نشرة المثقف العربى - عدد
فبراير 2001 - يقدم تفسيرا معقولاً.
ولعل تلك المنهجية العلمية العميقة هى ما جعلت الاهتمام يتصرف عنها وربما
كان خطأها الوحيد انها لم تكن شعاراً ولم تقترب من درجة الشهادة أو
إدعائها، ورغم ما قيل عن مصادرة كتابها الا انها لم تدخل في قائمة ضحايا
الاضطهاد الفكرى والذين اتهموا بالتكفير ولم تستطع ان تستغل ذلك وتنتشر
وتباع كتبها في السوق السوداء.
ومهما كانت الاسباب وراء التعتيم على رحلة ابكار السقاف مع الفكر والأدب
فعلينا ان نزيح غطاء النسيان عن تلك الكاتبة العظيمة ونعاود قراءتها من
جديد ليس فقط من اجل رفع الظلم البين الذي لحق بها بل ايضا لفتح رافد هام
سوف يثرى الثقافة العربية. وأظن ان هيئة الكتاب تستطيع ان تفعل الكثير في
هذا الشأن حين تعيد اصدار بعض من مؤلفات ابكار السقاف ضمن سلسلة مكتبة
الاسرة لتصبح ميسرة الوصول الى ايدى قراء العربية.
"