الهجرة الهاشمية من حضرموت

المصدر: شبكة الإمام الرضا

من أهم ما يميز منطقة حضر موت الهجرة المتواصلة التي عُرف بها أهلها إلى الخارج. وكان هؤلاء المهاجرون في معظمهم من الشيعة العلويّي النسب، فقد حملوا الإسلام إلى تلك الأقطار النائية حيث نشروه بين أهلها، فأسلمت على أيديهم، كما أنهم أنتجوا أدباً عربياً أصيلاً شعراً ونثراً أو تأليفاً ممّا نجمل ذكره فيما يلي:
إشتهر الأدب المهجري اللبناني اشتهاراً بعيداً ودوى في تاريخنا الأدبي دوياً شديداً. ونبغ فيه متفوقون سواء في الشعر أو النثر سيظلون أبداً من أنصع الكواكب في آفاقنا الأدبية قديماً وحديثاً.
والشعر المهجري اللبناني لا يحتاج إلى تعريف ولا تنقصه الشهرة وبُعد الصيت، ولكنّ هناك أدباً مهجرياً عربياً آخر حمله فريق من مهاجري العرب إلى منائيهم البعيدة ومهاجرهم القصية لم يُكَتب له من الذيوع والانتشار جزء مما كُتب للأدب اللبناني. بل يمكن أن نقول أنه لم يعرف أصلاً في أوساط العرب وديارهم ولم يقرأ في نواديهم ومعاهدهم إذا استثنينا قلة قليلة، بل أفراداً معينين وقعوا على هذا الأدب صدفة أو لظرف معين ومناسبة محدودة.
هذا الأدب هو أدب الهجرة الحضرمية من جنوبي الجزيرة العربية إلى الجزر الأندونيسية وغيرها من بلاد الشرق الأقصى، وإذا كانت الهجرة اللبنانية إلى الأمير كيتين هجرة جارفة حملت عشرات الألوف من مدارج صباهم ومنابت أصولهم إلى بلاد العالم الجديد سعياً وراء الرزق وطلباً للثروة، فكذلك كانت الهجرة الحضرمية من الأرض الجديبة والوطن الفقير إلى عالم التجارة والغنى والأخذ والعطاء.
وإذا كانت الهجرة الأولى قد أنتجت أدباً مهجرياً كثيراً، فكذلك كانت الهجرة الثانية. ولكن الفرق بين الهجرتين العربيتين أن الأولى كُتبت لها الشهرة وطول الذكر وأُرخت في كثير من الموارد والمصادر، بينما لم يكتب للثانية شيء من هذا، ولم تعرف أبداً ولم يُشَر إليها بحال من الأحوال شأنها في ذلك شأن أدبها.


أصول الهجرة
ليست الهجرة الحضرمية هجرة حديثة، إنها تعود في أصولها إلى القرن الرابع الهجري على ما يرجّحه المؤرخون.
و هذا الترجيح مبني على الآثار التي لاتزال باقية إلى الآن، و من هذه الآثار شواهد القبور.
لقد اضطُرّ الشيعة لأن يبحثوا عن أوطان يحفظون فيها حياتهم و كرامتهم، وكانوا إذا لم يُقتَلوا عاشوا كما وصفهم الشاعر المتأخر وهو يمدح أئمة أهل البيت:


ونـحن فـي هذه الدنيا لحبكمُ نَرعى على الضيم جبرياً وزنديقا
من بين مُبْدٍ عــداءً لانطيق له رداً وآخـر حـقـداً يخزر الموقا

لذلك أوغلوا في هجرتهم بُعداً، فحيث وجدوا الأمان والطمأنينة استقروا. ومن بين الذين فروا بحريتهم وحياتهم كان بعض أحفاد علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام. وهم أبناء محمد بن علي وأبناء حسن بن علي بن الإمام جعفر عليه السّلام.
وقد هاجر معهم الكثيرون من أهلهم وذويهم وأتباعهم، وعلى رأس هؤلاء: أحمد بن عيسى بن محمد بن علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السّلام. ولذلك عرف باسم أحمد بن عيسى المهاجر، وقد استوطن أحمد هذا جنوب الجزيرة العربية عام 313 هـ و هو عام هجرته من بغداد، ودام تدفق الهجرة حتّى العام 317 هـ .
وكان جنوب الجزيرة آنذاك مقرُّ الأباضية الخوارج، فلاقى في بدء الأمر مقاومة شديدة منهم ولكنه انتصر عليهم بعد جهاد طويل حافل.
وقد واصل أبناء أحمد بن عيسى وأحفاده الهجرة للدعوة إلى الإسلام، فكانت الهند أولى وجهاتهم، فمنهم من استقر في مدينة مليبار بالهند، ومنهم من واصل الهجرة إلى الملايو وأندونيسيا و الفلبين وجزائر سليمان وغيرها، حاملين معهم الإسلام ينشرونه حيث حلّوا.
قال المقريزي في الخطط 1: 16: في جانب هذا البحر الشرقي مما يلي الصين ست جزائر أيضاً تعرف بجزائر السبلي، نزلها بعض العلويين في أول الإسلام خوفاً على أنفسهم من القتل.
و قال المؤرخ الأندونيسي محمّد تمين إبراهيم أستاذ الدراسات الإسلامية والتاريخ الإسلامي في جامعة جاكرتا من محاضرة له: أن أول مملكة إسلاميّة هنا يرئسها شخص يلقب بلقب شيخ كانت بأيدي العرب من الهاشميين.
وقد ذكر هجرات العلويين إلى جزر الشرق الأقصى كل من المستشرقين الهولنديين « فن دين بيرخ، وفرين ميس » في كتاب تاريخ البلدان الجاوية « سيجارة تانه جاوا » و « بيخمان » وكذلك نورالدين محمد عون. يقول فن دن بيرخ في كتاب « حضرموت والمستوطنات العربية في الجزائر الهندية » الصادر باللغة الفرنسية: إن نجاح الدعوة الإسلامية في جاوا كان لأن الدعاة كانوا من ذرية النبي.
ويقول نورالدين عوفي عن انتشار الإسلام في الصين: إن الأشراف العلويين هربوا إلى بلاد الصين ونشروا الإسلام فيها.
ويذكر محمد تمين في محاضرته التي ألقاها في الندوة التاريخية في ميدان سومطرا الشمالية: إن الأشراف العلويين انتشروا في كامبودجا والصين وسيام وغيرها، وإن من الواصلين إلى كامبودجا الحسين الملقب بجمال الدين الأكبر. وأنه كان للحسين هذا ولدان، أحدهما إبراهيم، وتقول الروايات الجاوية أن إبراهيم وصل مع أبيه الحسين إلى سيام وجاوا وتزوج أميرة من جامبا اسمها بانا ولاق، فولدت له ولدَين: علياً وإسحاق كانا من أنجح العاملين على نشر الإسلام، وإن أعظم نجاح لإسحاق كان في بانيو وانغي.
ووصل العلويون إلى الفليبين فاستوطنوها ونشروا فيها الإسلام ثم أقاموا فيها ملكاً، واستمر حكم العلويين فيها حتى سنة 558 هـ (1465 م) وقيل إلى سنة 1521م حين هاجم الإسبانُ المسلمين وفشل السلطان عبدالقاهر في صد هجومهم. وفي تاريخ الفليبين ذكر مجيء الشريف أولياء بسفينة طافت في تلك الجزر لنشر الإسلام. وجاء في كتاب « دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم » المطبوع بمانيلا سنة 1905 م أن مجيء الإسلام الفليبين كان بواسطة شريف علوي اسمه حسن بن علي من ذرية أحمد بن عيسى المهاجر. وقد عمل هذا العلوي على نشر الإسلام أول الأمر في جزائر ( يوايان ) الفليبينية، فأسلم ملكها على يديه وانتشر الإسلام في ميندانا ومافينيدانا وسبيو وسولو وكوتا بارو وتمبارا وليبونغان باكمبايان ).
وجاء في ذلك الكتاب أن هؤلاء العلويين كانوا أول من علّم الأهلين هناك الكتابة العربية.
و لا تزال المقابر الأندونيسية تضم حتى اليوم قبور أحفاد أولئك الرواد الأوائل وقبور أحفادهم، ولاتزال تلك الأحداث محجة للزائرين من كل مكان. وعلى شواهد قبورهم كتبت البسملة وآيات من القرآن الكريم ثم كلمات ( الله، محمد، علي ) وعلى بعضها مكتوب لا إله إلا اله. محمد رسول الله. علي ولي الله. لاسيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا عليّ.
وبعض هذه القبور عليه تاريخ سنة 822 هجرية وبعضها سنة 1552 ميلادية، وبعضها 882 هجرية، على أنه يبدو من بعض النصوص أن استقرار هؤلاء العلويين في الجزر الأندونيسية وشهرة مقامهم فيها قد حملت بعض الخائفين على التوجه إليها والحلول بين تلك الجاليات التي تناسلت و تكاثرت، وأنّه كان بين من نزحوا إليها أحد أحفاد الخلفاء العباسيين المسمى عبدالله والذي نجا بنفسه فراراً من مذابح المغول بعد سقوط بغداد على يدي هولاكو.
ومهما يكن من شيء فإن هذه الهجرة العربية الكبيرة قد انطوت في غمار التاريخ ولم تترك لنا من أثر سوى أنها كانت من أكبر العوامل في نشر الإسلام في تلك الأقاصي وحسبه من أثر. وقد ذابت تلك الأصول العربية في المجتمع الأندونيسي وغير الأندونيسي من المجتمعات المهجرية التي عاشت فيها وغابت ملامحها غيبة كاملة وعادت أندونيسية خالصة حتى في أسماء الأعلام. وإن ظل بعض رجالها يسلسل أباءه مبتدئاً باسمه الأندونيسي واسم أبيه وجده وهكذا حيث يعود إلى الأسماء العربية. (1)
وكذلك كان الحال في تايلاند، فقد وصلها أحفاد أحمد بن عيسى المهاجر ولكنهم هذه المرة لم يكونوا وحدهم فقد كان معهم جماعة من الهنود والفرس، فشهدت تايلاند من القرن الثالث عشر الى القرن الخامس عشر الميلادي مدّاً إسلامياً متدفقاً يقوده أولئك الحضارمة. ولا يزال المسلمون في تايلاند ذوي مكانة مرموقة، وأُنعم على بعضهم بأسمى المراتب وأرفع الألقاب فكان المسلمون يشرفون على إدارات متعددة خاصة فيما يتعلق بشؤون التجارة والعلاقات الخارجية، وعمل كثير منهم في الجيش والأسطول، وبعد الاستقلال كان أول سفير تايلاندي في إيران مسلماً.
ومن المؤسف أن انقطاع تلك البلاد عن الإسلام وما نالها من الاستعمار الغربي، أضعف الإسلام فيها، حتى لقد تحول المسلمون في بعض البقاع مع الزمن إلي بوذيين.
ولاتزال بعض الأسر البوذية تحس بأصلها الإسلامي وتفاخر به، فمن ذلك مثلاً أن أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في القديم يُسمّي الشيخ أحمد، وقد تحولت بعض سلالاته إلى البوذية، وفي إحدى السنين الأخيرة ألقى مندوب ملك تايلاند كلمةً في احتفال أقامه مسلمو تايلاند لمناسبة ذكرى المولد النبوي، فقال في خطابه أنه يشعر بالغبطة والسعادة والفخر والعزة لأنه شارك في ذكرى المولد النبوي الذي طالما ذكرت له والدته أن جدها الكبير الشيخ أحمد كان من المؤمنين به وبرسالته.
و من الطريف أن المفكر التايلاندي المعاصر؛ كيكريت ينتسب للشيخ أحمد من جهة إحدى جداته، وهناك شقيقه الأكبر وهو رئيس الحزب الديموقراطي أكبر الأحزاب في تايلاند.
وقد روي السيد محمد علي الشهرستاني الذي زار بانكوك عاصمة تايلاند في العشر الأوائل من المحرم سنة 1394 م قائلاً: إن العزاء الحسيني يقام على أتم مظاهره في بانكوك وبعض أنحاء تايلاند، فإنه شاهد بأم عينه إقامة مجالس العزاء والمآتم واجتماعات النياحات و قراءة المراثي الحسينية، وأنه اشترك بنفسه في بعضها.
وليس بين أيدينا ما يحدد لنا التاريخ الذي بدأت فيه الهجرة الحضرمية الأخيرة من الجنوب العربي إلى جنوب آسيا تحديداً دقيقاً، ولكننا نستطيع القول استناداً إلى بعض المصادر أن أول فوج من المهاجرين الحضارمة خرج من موطنه، كان خروجه في أواسط القرن الثاني عشر الهجري. بل نستطيع أن نقول أن ذلك كان في حدود سنة 1150 هـ وكان هذا الفوج مؤلفاً من أربعة مغامرين هم: حسين القدري الملقب بالحسني، وعثمان بحسن، ومحمد أحمد القدسي، ومحمد بن حامد. وكان الدافع الأول لهم للهجرة هو السعي وراء العيش الكريم. وبلغ النجاح ببعضهم أن تزوجوا بالأميرات بنات السلاطين الأندونسيين، وكان المغري الوحيد بهذا الزواج أن المهاجرين كانوا من سلالة الرسول، فرأى السلاطين في تزويج بناتهم من هؤلاء الغرباء العلويين شرفاً لهم. ثم تطور الأمر بعد ذلك فإذا ببعض أبناء المهاجرين وأحفادهم يتولى المُلْك بنفسه، لأن السلاطين رأوا في الاسباط المتصلين بالنسب النبوي ما يفضلون به الأحفاد غير المتصلين بهذا النسب. وهكذا نجد أن من بين سلاطين سياك وفونتيانك وغيرهما مَن هم من الأشراف العلويين أبناء وأحفاد أولئك المهاجرين.
على أن هذا التزاوج قد أدى إلى ذوبان أعقاب المهاجرين في الوسط الأندونيسي، فلم يعودوا يعرفون بالطابع العربي ولا باسم الأسرة العربي. أما الذين لم يُقَدَّر لهم مثل هذا الزواج فقد ظلوا محتفظين حتى اليوم بأسماء عربية لأسرهم وهم مَن سنرى أسماء أسرهم في الآتي من القول.
وإذا كنا قد ذكرنا فيما تقدم أسماء المغامرين الأربعة طلائع الهجرة العربية، فلا يفوتنا أن نذكر أسماء أخرى كانت في أوائل المواكب المهاجرة، ونستطيع أن نعد من ذلك مهاجري آل كثير وآل النهدي وآل بلحمر وآل بارجاء وآل العمودي وغيرهم.

دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 6: 308 ـ 317