حضرموت قبل مجيئ المهاجر - المؤرخ صالح بن علي الحامد

المصدر: الوضع في حضرموت قبل مجئ الإمام المهاجر إليها - السيد / يحيى بن حسن المشهور

الوضع كما يراه المؤرخ صالح بن علي الحامد في كتابه تاريخ حضروت: -
أما المؤرخ صالح بن علي الحامد في كتابه تاريخ حضرموت : فقد تحدث في قسم من كتابه وهو القسم الثالث ( صـ245) عن تاريخ حضرموت العام من 202 إلى

407هـ وترجم له بدولة بني زياد ، ثم في عنوان كلمة شاملة عن سياسة حضرموت في العهد الزيادي ، قال : كانت حضرموت كسائر اليمن في هذا العصر منطوية تحت

سيارة بني زياد المنتمين إلى عبيد الله بن زياد الأموي التي كانت بدايتها عام اثنتين ومائتين من الهجرة .
إلا أن حضرموت في ذلك العهد كانت من النواحي التي كان حظها من امراء اليمن وعمال العباسيين – الإهمال – وعدم العناية والاكتفاء بطاعتها وتبعيتها – ولو اسماً

فقط – لولاية اليمن – ويرجع ذلك لكونها بلاداً غير خصبة ولا كثيرة الموارد في تلك الآوانه .. ولتغلب الأمية والبداوة على أهلها تلك البدواة التي ضربت الأباضية بينها

وبين التثقف والتعليم والاتصال بالعالم الخارجي سياجاً من التعصب والجمود بالرغم من اعتدال المذهب الأباضي بين سائر مذاهب الخوارج . ولم يزل شأن حضرموت

كذلك إلى عصور متأخر .

نص المؤرخون على أن هذه البلاد ما زالت فيها غشاوة من التبدي والجهل وهذا مما يفسر لنا عدم وجود تاريخ لها مفصل في ذلك الحين وهذا ما جعل الكثير من

مرخي الحضارمة ومترجمي أعيانها يبرمون بأمرهم ويحيلون التبعة في ذلك على السابقين في كونهم لبداوتهم لم يتناقلوا التاريخ إلا شفهياً بواسطة المذكرات ومن أفواه

بعض المعمرين .

وغاية ما يذكر المؤرخون الحضارمة الذين يرجع تاريخ أقدم ما كتبوا إلى القرن التاسع أن يقولوا أن حضرموت كانت في هذه العصور تحت ولاية بني زياد الذين كانوا

ولاة على اليمن قبل العباسيين، ولكن هذه السيطرة لا يوجد لها أي أثر أو أية منة ظاهره على حضرموت إلا ما أثر من تجديد الحسين بن سلامة( ) مولى رشيد مولى بني

زياد لبعض الجوامع بحضرموت وهو آخر أمير حافظ على نفوذ بني زياد على مملكتهم وعلى أثر وفاته تضعضع أمرهم ولم يعتم أن تقلص ظلهم .
وأعظم انقلاب وقع بحضرموت أبان ولاية بني زياد أنما هو الانقلاب المسبب عن خروج الشريف المهاجر أحمد بن عيسى الحسيني النازح لها من العراق في سنة 318

هـ ذلك الانقلاب الاجتماعي الثقافي الذي نقل حضرموت بالدعو والارشاد إلى حالة جديدة وسار بها في سبيل التقدم والرقي ومحاربة الأمية سيراً حسناً حتى صار بعد

عصور في مستوى لا بأس به من الثقافة بالنسبة لسائر الأقطار العربية في ذلك الحين .
ثم استطرد يقول : ولئن كان في خروج السيد أحمد بن عيسى العلوي أثر اجتماعي وثقافي عظيم فلم يكن حظ السياسة من تأثير خروج الإمام المهاجر بقليل ولا بأدنى

خطراً بالنسبة لتلك التأثيرات .

ويقول: لما كان للإباضية في ذلك الحين من الطول والحول وتغلب الأكثرية فقد كانت دفة السياسة الحضرمية المباشرة بأيديهم تقريباً فيما يظن ولئن فرض أن لهم إذ ذاك

مناوئين أو أن هناك حزباً ضد الأباضية – وهذ ما يغلب على الظن وقوعه وتقتضيه النصوص التاريخية – فإن هذا الحزب وهذه الفئة الأقلية لم يكن لها الصوت الظاهر

ولا الكلمة العالية ؛ بل كانت مغمورة في عباب الأباضية المتكاثرة منـزوية لا تكاد تصارح برأي ولا تجاهر بعقيدة ، وكان نزول هذا الداعية الصالح بحضرموت ودعوته

الحسنة وما لقيته عند البعض من سكان هذه البلاد من اصغاء وقبول فرصة متاحة لهؤلاء لأن يرفعوا رؤوسهم وأن يفتحوا أفواههم صادعين بما عندهم من ولاء لأهل

البيت الطاهر وما لديهم من براءة ومقت لمبغضيهم ومناويهم وأن يشمروا عن سواعدهم للنضال في هذا السبيل .
ومما يؤكد لنا هذا العنصر المقاوم للأباضية في ذلك العهد أن حضرموت لم تتمحض كلها لحمير بل فيها الكثير من كندة والسكون وبعض العشائر المنحازة إلى كندة، وإنما

كانت النحلة الإباضية متأصلة في حمير الذين بنوا حضرموت بن سبأ منهم من أدغم فيهم كالصدف كما قاله المؤرخون منهم الهمداني وغيره .
ويدعم هذا من الواقع أن دعوة السيد المهاجر رضي الله عنه لم تصادف الجفاء والمناوءة من جميع سكان حضرموت ، أو بعبارة آخر لم تكن عقيمة المناوءة والمناهضة ،

بل ما فتئت أن لقيت انصاراً وأعواناً من بعض سكان هذا الوادي وإن كانوا قليلاً هذا يفسر أن هناك جواً ملائماً كان متقدماً لدعوة السيد بن عيسى كان هو السبب لها على

ذلك النمى والازدهار .

ثم ذكر بع ذلك أن أصحاب السنة انتزعوا زمام السياسة من يد مواطنيهم الاباضية بعد المقارعة .

وفي صفحة 325من كتابه يذكر الحامد هذا العنوان : متى وجد العلم بحضرموت ، ويقول : هنا ينشأ سؤال آخر ، وهو : هل لتقدم العلم وجود في حضرموت قبل عهد

المهاجر أم لا ؟ ثم يقول : الظاهر عدم ذلك وهو ما يقتضيه كلام الجندي وغيره وتدل عليه نتائج البحث والتدقيق عن آثار العلم قبل هذا التاريخه وهل له وجود ؟ ومن

العلماء الذين يمكن أن نبرهن بوجودهم على وجود العلم بحضرموت قبل ذلك العهد .
وإنما يدل كلام المؤرخين على أن العلويين منذ وطئت ثرى حضرموت كانوا هم المعلمين الدعاة والمرشدين الهداة وإنهم أثاروا الوادي بما لديهم من العلم والهدى والدعوة

إلى الله على بصيرة إلى جانب ما كانوا عليه من التقوى والورع والزهد ، ولهذا قال الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن في التحفة النورانية وهو من أهل القرن التاسع أنهم (

شدت إليهم الرحال للزيارات واقتبست منهم العلوم ومحاسن الأخلاق والفهمو ومحيت بهم ظلم الجهالات واهتدى بهم أهل العقول من البريات ).
ثم قال: وقد استدل البعض على وجود العلم بحضرموت قبل ذلك العهد بمن نسب إلى حضرموت من العلماء في كثير من البلدان كالحجاز ومصر والعراق وهذا لا يدل

على شيء من ذلك فأهل حضرموت تصلهم العربي الرحلات للحج والاتزاق وغير ذلك وقد رحلوا وربما استوطنوا بعض البلاد واعقبوا ، وكان لهم ذرية ينتسبون إلى

مواطن أجدادهم وكانوا بطبيعة الحال علماء أو رواة كبني الحضرمي بزبير .
على أن ذلك انما على وجود العلم والرواية في البلدان التي سكنوها ، وشيء آخر فالموصوف بالحضرمي قد يكون في نسبته هذه منسوباً إلى البلاد وقد يكون منسوباً

بذلك إلى القبيلة ، وقد وجدت هذه النسبة في كثير من العلماء كابن خلدون مثلاً وغيره من الذين لا يعرفون حضرموت فضلاً على أن يكون من أهلها.
نعم وجد في نسب المشائخ آل الخطيب بتريم ما يوهم تقدم العلم إذ ذكر الشيخ الصالح محمد بن سليمان بن أحمد بن عباد بن بشر فأخذ منه البعض تقدم العلم بحضرموت من

عهد قديم إذ ذكره صاحب برد النعيم ووصفه بأنه فقيه وأنه أول من أنتهت إليه نوبة الخفة والخطابة بتريم المحروسة .
وهذا النسب لو صح اتصاله وعدم الانقطاع فيه لكن حجة ولكن الأمر بخلاف ذلك بل التحقيق وجود سقط في سلسلة النسبة وإذا تأملها المتأمل وجد الساقط منها نحو سبعة

أو ثمانية.
ثم استدل بعد التحقيق في هذا أن هذا الشيخ إنما هو متأخر عن المهاجر أو في عصره على أكبر تقدير.