آثار منتديات الحوار على حياة الناس بالسعودية في مؤتمر دولي بأستراليا



منذ أن أتيح الاشتراك بالإنترنت لعامة الناس في السعودية ابتداء من عام 1999، كان تأسيس منتديات الحوار والمشاركة فيها من أكثر تطبيقات الإنترنت استخداما فيها، حيث قدرت إحدى الدراسات الحديثة أنه من بين المليون مستخدم للإنترنت في السعودية، هناك ما لا يقل عن 53 بالمائة منهم يشاركون بنشاط في المجتمعات الرقمية (Online Communities)، التي تتمثل في الغالب بمنتديات الحوار، وإن كان يرى البعض أن هذه النسبة قد تكون أكثر من ذلك، وذلك مع العدد الكبير لهذه المنتديات وتنوع مجالاتها واتجاهاتها، والأهم من ذلك كله امكانية استخدام اللغة العربية فيها بسلاسة ومن دون أية صعوبات. وعلى الرغم من ان العديدين تكلموا عن سلبيات وإيجابيات هذه المنتديات في مقالات عديدة، إلا أن التركيز في هذه الكتابات لم يكن يتطرق إلى أثرها على حياة الأفراد والمجتمعات والعلاقات الإنسانية خارجها، وفيما إذا كان لها أثر سلبي أو إيجابي. إلا أن تنبه يسلم السقاف، وهو شاب سعودي يحضر لنيل شهادة الدكتوراه في استراليا، إلى أهمية هذا الموضوع الأمر الذي جعله يختاره موضوعا لرسالته لنيل هذه الشهادة. ولكون موضوع الرسالة مهما وفريدا دعي لتقديم نتيجة بحثه في موضوعها، أمام مؤتمر دولي، هو مؤتمر تشبيك المجتمعات الخامس «الشبكات الإلكترونية بناء المجتمع» (Electronic Networks - Building Community 5th Community Networking Conference) الذي افتتحت أعماله أمس في مدينة ميلبورن الأسترالية، ويشارك فيه أكثر من سبعين باحثا، من أستراليا والسويد والبرازيل واسكوتلندا، وغيرها. وألقى يسلم السقاف نتائج دراسته العلمية يوم أمس في أول أيام المؤتمر، الذي يستمر في أعماله حتى يوم غد الجمعة.


المصدر / جريدة الشرق الأوسط
وقد التقت «الشرق الأوسط» بهذا الشاب الطالب عبر البريد الإلكتروني، للاطلاع على نتائج هذا البحث والتعرف على ما تتركه منتديات الحوار الإلكترونية من أثار على المشتركين فيها في السعودية. ويقول يسلم ان الإقبال على ارتياد منتديات الحوار على الإنترنت في السعودية، جعله كسعودي يهتم في دراسة أثرها، مستغلا خبرته في أساليب البحث العلمية الحديثة، لتقديم هذا البحث الذي يعتبر أول محاولة علمية تتناول أثر المجتمعات الرقمية في السعودية، آملا أن يساعد ذلك المستخدمين الجدد على فهم ثقافة المجتمعات الرقمية. وأضاف أن الورقة التي قدمها أمس، والتي تحمل العنوان «أثر تجربة المجتمعات المتصلة بالإنترنت على حياة الأفراد العادية: من منظور سعودي» (The Effect of Online Community Experience on Individuals" Offline Lives: A Saudi Arabian Perspective)، تشكل جزءا من رسالته للدكتوراه التي ستناقش في نهاية هذا العام في جامعة شارلز سترت الأسترالية، التي كان قد حصل منها على الماجستير في تقنية المعلومات، بعد أن حصل على شهادة هندسة الكومبيوتر من إحدى الجامعات الماليزية.
ومن المتوقع أن يقوم يسلم بتقديم ورقة عمل أخرى في مؤتمر دولي آخر يقام في البرتغال في وقت لاحق. كما أنه يحضر لتأليف كتابه الأول. ويأمل يسلم أن يستطيع أن يستخدم خبرته في أساليب الأبحاث الحديثة في خدمة بلده، وبخاصة في المجالات التي يتخصص بها وهي أخلاقيات الكومبيوتر والفلسفة وأثر تقنية المعلومات على المجتمع والمجتمعات الرقمية. كما أنه يخطط للعمل في مجال الأبحاث في السعودية لأنه يرى أن الأبحاث الأكاديمية الغربية تعتمد عند حديثها عن المنطقة في هذه المجالات على فرضيات خاطئة.
* البحث
* اعتمد الجزء الذي قدمه يسلم من البحث على عينة تضم عشرة أشخاص، خمسة ذكور وخمس اناث، وجه إليهم سؤال حول أثر حياتهم الرقمية على حياتهم العادية. ويقول ان أهم وأكثر أجزاء بحثه إثارة للاهتمام هي تلك التي تتحدث عن كيف أن المشاركة في هذه المنتديات قد جعلت من الأفراد المشاركين أكثر نضجا وأصحاب عقليات منفتحة، وأكثر حذرا عندما يتعاملون مع الآخرين، واكثر ثقة بأنفسهم.
* الإيجابيات
* اتفق الأشخاص العشرة الذين تم استجوابهم على أن المجتمعات الرقمية المتمثلة بمنتديات الحوار قد ساهمت في تطوير شخصياتهم من عدة نواح. إذ قال سبعة منهم (4 ذكور، وثلاث إناث) أنها جعلت عقولهم أكثر انفتاحا، وأنها علمتهم كيف يستمعون إلى مختلف أطراف الحوار وأن يحترموا آراء الآخرين ووجهات نظرهم. وقالوا أنهم كانوا يظنون قبل المشاركة في هذه المنتديات أن آراءهم كانت صحيحة دائما، أما الآن فقد أصبحوا قادرين على الاستماع إلى الجميع. والأكثر من ذلك قالت الفتيات الثلاث اللاتي تم استجوابهن، ان منتديات الحوار قد جعلتهن أقل سذاجة وأكثر انتباها عند تعاملهن مع الناس. كما قلن ان تفاعلهن مع الآخرين قد زودهن بمهارات الاتصال مع الآخرين. وقال آخران (شاب وفتاة) أن تجربتهما قد أعطتهما الفرصة لتحسين شخصياتهما وشحذ مهاراتهما الكتابية، حيث اعتبرا هذه المنتديات مكانا للتعلم. كما وصفها آخران بأنها تشكل نموذجا لما هي عليه الحياة العادية، خارج نطاق الانترنت. أما الايجابية الثانية، فكانت حسب خمسة أشخاص آخرين (ذكران وثلاث إناث) أن تجربتهم مع منتديات الحوار قد فتحت أعينهم على أمور في الحياة العادية لم يكونوا قد رأوها من قبل. حيث قالت الفتيات الثلاث أن تجربتهن قد جعلتهن يدركن أنه ليس من الضروري أن يكون الناس كما يدعون، أو أنهم مثلهن طيبات أو ساذجات، وأن هناك في الواقع من هو جيد ومن هو سيئ. كما أنهن أدركن أنه من الضروري عدم أخذ أي شيء على علاته أو الثقة بأي كان. في حين قال أحد الذكور ان تجربته قد فتحت عينيه على حقيقة أن سلوكيات الأفراد وردور أفعالهم تختلف في منتديات الإنترنت عنها في الحياة خارجها، وقال آخر انه أدرك أن عليه أن يكون واقعيا وأن يكلم الآخرين (داخل المنتديات وخارجها) بعبارات محددة لا عامة.
ويقول يسلم في بحثه ان الإيجابية الثالثة فكانت شعور الثقة بالنفس، كما عبر عنها ثلاث من المشاركين (ذكران وأنثى واحدة). حيث قالوا أن التفاعل مع الآخرين والاختلاط بهم قد أعطاهم ثقة أكثر بأنفسهم، الأمر الذي انعكس على سلوكياتهم في حياتهم العادية. أما الإيجابية الرابعة فهي مثيرة للاهتمام كما يقول يسلم السقاف، وجاءت على لسان أحد المشاركين الذكور الذي قال ان تجربته قد جعلته أقل اهتماما بموضوع جنس من يتكلم معهم، لأنه في المنتديات لا يهم إن كان المشارك ذكرا أم أنثى، لأنه كان يتفاعل مع أفكار المتحاورين وعقولهم وليس مع أجسادهم وأرواحهم. وبالتالي لم يعد يهمه عند التعامل مع الناس في الحياة العادية إن كانوا ذكورا أم إناثا.
أما الإيجابية الخامسة والأخيرة فتمثلت في أن المجتمعات الرقمية قد جعلت الناس اجتماعيين أكثر، كما قالت إثنتان من الفتيات الخمس، الأمر الذي جعلهن كذلك مع الناس خارج نطاق الإنترنت.
* السلبيات
* وكما هو الحال في جميع الأمور، فقد أشار المشاركون في البحث إلى عديد من السلبيات لمنتديات الحوار انعكست على حياة المشاركين فيها خارجها. وكانت السلبية الأولى كما رأى اثنان من المشاركين الذكور، فكانت نفوذ المبادئ. إذ قال أحدهما أن هناك نوعا من المشاركين الذين يكتبون ضد التقاليد، ويهاجمون الدين أحيانا بشكل مباشر أو غير مباشر. في حين قال الآخر ان تناقض المفاهيم ما بين ما هو في المجتمع الرقمي والمجتمع الواقعي قد جعله يصاب بالارتباك. أما الأثر السلبي الثاني فتمثل في ضياع الوقت، كما رأى ستة من المشاركين والمشاركات، الذين اعترفوا أن المتديات قد التهمت الوقت الذي كانوا يقضونه مع أسرهم وأصدقائهم، في حين قال المشاركان الآخران انهما استهلكا الوقت الذي كانا يقضيانه في الدراسة أو القراءة. وكانت السلبية الثالثة للمشاركة في منتديات الحوار على الإنترنت فتمثلت في جعلها للمشاركين فيها أقل خجلا، كما يرى سبع من عينة البحث (4 إناث و3 ذكور) الذين قالوا أنها شجعتهم بالاضافة إلى ذلك على أن يكونوا أكثر كلاما وأكثر صراحة. وفي حين أن ذلك قد لا يبدو سلبيا لكثير من الناس، أوضح يسلم السقاف لحضور المؤتمر أن المجتمع السعودي متأثر بتعاليم الإسلام الذي يأمر أتباعه بأن يلتزموا بالحياء والاعتدال، حيث أنهما عنصران أساسيان من عناصر الإيمان في الإسلام. وأضاف يسلم أن أحد المشاركين في الدراسة قد أشار إلى سلبية رابعة تمثلت في أنه قد أصبح منافقا لحد ما، لأنه وعديد من المشاركين في منتديات الحوار يضطرون كثيرا لكتابة آراء أو مواضيع غير مقتنعين بها، أو أنها متناقضة مع شخصياتهم، وأنهم يقومون بذلك كما يقول لإرضاء أصدقائهم أو للاستمرار في صداقتهم.
أما السلبية الخامسة فكانت كما قالت إحدى الفتيات في أنها أصبحت أكثر استخداما للتهكم والسخرية عندما تتعامل مع الناس في الحياة العادية، لأنها تعلمت أن لا تثق بأحد في حياتها في المنتديات، حيث أصبحت توقعاتها السلبية تسبق توقعاتها الايجابية. وهو الأمر الذي أيدها فيه اثنان من المشاركين الذكور اللذان قالا انك تجد الطيب والسيئ في المنتديات الالكترونية كما هو الحال خارجها، وبالتالي لا يمكن الثقة بأحد.
وأخيرا أضاف أحد المشاركين سلبية سادسة، حيث اعترف أن المنتديات قد حولته إلى ناقل للاشاعات، وذلك لكثرة الاشاعات التي تنتشر في المجتمع، وبخاصة إذا تعلقت بالفضائح.
* النتيجة
* ويخلص يسلم السقاف في دراسته إلى أن الحياة العادية للمشاركين العشرة قد تأثرت فعلا بحياتهم في منتديات الحوار الإلكترونية في الإنترنت، وأن ذلك التأثر تراوح بين السلب والإيجاب. إلا أنهم اتفقوا على أنه وعلى الرغم من أن السلبيات قد فاقت الإيجابيات كما، فإن الإيجابيات قد فاقتها نوعا، مما يعني أنهم رأوا هذه المنتديات إيجابية بشكل عام.